د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد بن عبدالله بن حيُّويه الجُوَيْني النّيسابوري، إمام الحرمين، أبو المعالي.

هو الإمام شيخ الإسلام البحر الحَبْر، المدقّق المحقّق، النّظّار الأصولي المتكلم، البليغ الفصيح الأديب، العلَم الفَرْد، زينة المحقّقين.

وإذا وعَظ ألبس الأنفسَ من الخشية ثوباً جديداً، ونادته القلوب: إننا بَشَرٌ فأسجح، فلسنا بالجبال ولا الحديدا.

رُبّيَ في حِجر العلم رشيداً، حتى رَبا، وارتضع ثَدْيَ الفضل فكان فِطامُه هذا النّبا، وأحكم العربية، وما يتعلق بها من علوم الأدب، وأوتِي من الفصاحة والبلاغة ما عجَّز الفُصَحاء، وحيَّر البلغاء، وسكَّت مَن نطق ودأب.

وُلد في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، واعتنى به والده من صِغَره، لا بل قبل مولده.

وذلك أن أباه اكتسب من عمل يده مالاً خالصاً من الشُّبهة، اتصل به إلى والدته، فلما ولدته له حرص على ألا يُطعمه ما فيه شبهة، فلم يمازج باطنَه إلا الحلالُ الخالص، حتى إنه تلجلج مرة في مجلس مناظرة، فقيل له: يا إمام، ما هذا الذي لم يُعْهد منك؟

فقال: ما أراها إلا آثار بقايا المصّة.

قيل: وما نبأ هذه المصة؟

قال: إن أمي اشتغلت في طعام تطبُخه لأبي، وأنا رضيع، فبكيت وكانت عندنا جارية مرضعة لجيراننا فأرضعتني مصة أو مصتين، ودخل والدي، فأنكر ذلك، وقال: هذه الجارية ليست مِلكاً لنا، وليس لها أن تتصرف في لبنها، وأصحابُها لم يأذنوا في ذلك، وقلبني وفوّعني حتى لم يَدَعْ في باطني شيئاً إلا أخرجه، وهذه اللّجْلجة من بقايا تلك الآثار.

فانظر إلى هذا الأمر العجيب، وإلى هذا الرجل الغريب، الذي يحاسب نفسه على يسيرٍ جرى في زمن الصبا الذي لا تكليف فيه، وهذا يدنو مما حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ثم أخذ الإمام في الفقه على ولده، وكان والده يُعْجَب به ويُسَر؛ لما يرى فيه من مخايل النجابة، وأمارات الفلاح.

وجَدّ واجتهد في المذهب والخلاف، وغيرها، وشاع اسمه، واشتهر في صباه، وضُربت باسمه الأمثال، حتى صار إلى ما صار إليه، وأوقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه، وسلك طريقَ البحث والنظر والتحقيق.

ولا يشك ذو خبرة أنه كان أعلمَ أهلِ الأرض بالكلام والأصول والفقه.

ثم توفِّيَ والده وسنه نحو العشرين، وهو مع ذلك من الأئمة المحقِّقين، فأُقعده مكانه في التدريس، فكان يدرِّس ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البَيْهقي، حتى حصَّل الأصول عند أستاذه أبي القاسم الإسكاف الإسْفَرايني، وكان يواظب على مجلسه.

وكان يصل الليل والنهار في التحصيل، ويبكّر كل يوم، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته على التدريس، وناداه على بُعد الديار البيتُ الحرامُ فلبَّى وأحرم، وتوجه حاجّاً، وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويُفتي، ويجتهد في العبادة ونشر العلم.

فبُنيت له المدرسة النظامية بنيسابور، وأُقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة، غيرَ مُزاحَم ولا مُدافَع، مسلَّم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة، والمناظرة.

ومن تصانيفه «النهاية» في الفقه، و»الشامل»، و»الإرشاد» في أصول الدين، و»البرهان» في أصول الفقه، و»الورقات»، و»غياث الأمم»، و»مُغيث الخَلْق» في ترجيح مذهب الشافعية، و»الرسالة النظامية»، و»مدارك العقول»، وله «ديوان خُطَب» مشهور.

قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني إمام الحرمين.

وقال له مرة: يا مقيدَ أهل المشرق والمغرب، لقد استفاد من علمك الأولون والآخِرون.

وقال الحافظ أبو محمد الجُرجانيّ: هو إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره، عديم المثل في حفظه وبيانه ولسانه.

تُوفِّيَ ليلة الأربعاء بعد صلاة العَتَمة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة»(1).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- الحرص على طلب العلم منذ الصغر يورث الإمامة في الكبر.

- حرْص العلماء الربانيين على الحلال والبعد عن الشبهات أثمر ذرية طيبة.

- العالم الرباني حريص على تعليم الناس أمر دينهم وتربيتهم على الخير.

- حرْص العلماء على التدريس في المساجد والمدارس.

- الجمع بين التعليم والتعلم من صفات العلماء المتميزين الذين لا يبالون بثناء الناس ومدحهم، ولا يغترون بالشهرة، بل هم أعلم بأنفسهم وحاجتهم إلى التعلم وسد النقص في جوانب الخلل لديهم.

- رحم الله علماءنا؛ فكان يعرف بعضهم قدر بعض، فلا يترددون في ذكر مآثر بعضهم عدالة وإنصافاً وشهادة.

- الزاد الإيماني من عبادة وحج وقراءة القرآن هو الزاد الذي كان يحرص عليه العلماء.

والحمد لله رب العالمين.

 

_____________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج5، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الإثنين, 06 أبريل 2020 13:05

سهل العِجْلي

سهل بن محمد بن سليمان بن موسى ابن عيسى بن إبراهيم العِجْلي الحَنَفِيّ نَسَباً، الأستاذ الكبير، والبحر الواسع، أبو الطّيِّب الصُّعْلُوكِيّ، وَلَد الأستاذ أبي سهْل.

هو الفقيه، الأديب، مُفْتي نَيْسابور، النجيب ابن النجيب، الصُّعْلوكي إلا أنه الغني، الذي لا يُسأَل إلا ويُجيب.

ما أمّهُ الطالبُ إلا وجدَه سهْلاً، ولا أمّلَه الرّاغب إلا وتلقاه بالبشر، وقال له: أهلاً.

جمع بين رياسَتَي الدّين والدنيا، واتّفق علماء عصره على إمامته، وسيادته، وجمْعِه بين العلم، والعمل، والأصالة، والرياسة.

يُضرَب المثلُ باسْمِه، وتُضْرب أكبادُ الإبل للرحلة إلى مجلسِه، وكان يلقّب شمسَ الإسلام.

سمع أباه الأستاذ أبا سهْل، وبه تفقّه، وعليه تخرّج، ولَدَيْه رُبِّي.

قال الشيخ أبو إسحاق: كان فقيهاً، أديباً، جمع رياسةَ الدين والدنيا، وأخذ عنه فقهاء نَيْسابور.

وقال الحاكم: الفقيه، الأديب، مُفْتي نَيْسابور، وابن مُفْتِيها، وأكْتَبُ من رأيناه من علمائها، وأنظرُهم.

قال: وقد كان بعضُ مشايخنا، يقول: من أراد أن يَعْلَم النّجيب ابن النجيب، يكون بمشيئة الله تعالى، فليَنظر إلى سهْل بن أبي سْهل.

واجتمع إليه الخلقُ اليومَ الخامس، من وفاة الأستاذ أبي سهْل، سنة تسع وستين وثلاثمائة.

وقد تخرّج به جماعةٌ من الفقهاء، بنَيْسابور، وسائر مُدُن خراسان، وتصدّى للفتْوَى، والقضاء، والتّدْريس.

قال: وبلغني أنه وُضِع له في مجلسه أكثرُ من خمسمائة مِحْبَرة.. وكان أبوه يقول: سهْلٌ والد.

ودخلتُ على الأستاذ في ابتداء مرضِه، وسهْل غائب إلى بعض ضياعه، وكان الأستاذ يشكو ما هو فيه، فقال: غَيْبَة سهل أشدُّ (عليَّ) من هذا الذي أنا فيه.

وقال أبو عاصم العبّادِيّ: هو الإمامُ في الأدب، والفقه، والكلام، والنحو، والبارعُ في النّظر.

وقال الحافظ الإمام أثير الدين أبوعبدالله محمد بن محمد بن محمد بن غانم بن أبي زيد المُقْرِي، في كتابه الذي سماه» الكتاب الذي أعدّهُ شافعيٌّ، في مناقب الإمام الشّافِعِيّ»: سهل بن محمد الصُّعْلُوكِي، كان فيما قيل: عالَما في شخْصٍ، وأُمّةً في نَفْس، وإمامَ الدنيا بالإطلاق، وشافِعِيّ عصره بالإطْباق، ومن لو رآه الشافعي لقرّتْ عينُه، وشهد أنه صدْرُ المذهب وعينه.

ومن كلامه ورشيق عباراته: فمن حكيم كلامه من تصدّر قبل أوانه، فقد تصدّى لهوانه.

ومنه: إذا كان رضا الخلْق معسُورُه لا يدرك، كان ميسّورُه لا يُتْرَك.

قلتُ أرشق منه قولُ الفقهاء: الميسُورُ لا يسقط بالمعسور.

وهو مأخوذ من قول أفْصح من نطَق بالضّاد صلّى الله عليه وسلم: «إذا أمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فأْتُوا منه ما استطعتم».

ومنه: إنما يُحتاج إلى إخوان العِشْرة لِزَمان العُسْرة.

مات الأستاذ أبو الطّيب في رجب سنة أربع وأربعمائة، بنَيْسابور(1).

العبر والفوائد التربوية والإيمانية:

- طلب العلم نور وبركة في بيت المسلم وعلى ذريته وأهله وفي دينه ودنياه وعاقبة أمره.

- التيسير والتسهيل لدى الداعية والعالم مدعاة لتقبل دعوته والاستماع إليه والاجتماع من حوله، وكذا هو المربي الحكيم والأب الرحيم الكريم.

- قد يجمع الله تعالى للعالم الحكيم التقي رياستي الدين والدنيا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

- الجمع بين طلب العلم وبرّ الوالد وحبه منزلة كريمة ومنقبة عزيزة يوفق الله من شاء من عباده لها، ومن كرم الله تعالى يجعل العلم والتميز العلمي ميراثاً موصولاً بين الآباء والأبناء.

- تميُّز علمائنا في علوم مختلفة، والجمع بينها من أدب وفقه ونحو..

- العمل الجاد للعالم الرباني حيث الجمع بين القضاء والفتوى والتدريس.

- كرم العالم وجوده على الناس بما يستطيع ويملك.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

__________________________________________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج4، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الثلاثاء, 03 ديسمبر 2019 12:31

أبوبكر النَّيْسَابوري

محمد بن إسحاق بن خُزيمة بن المغيرة ابن صالح بن بكر، إمام الأئمة، أبوبكر السُّلَمي النَّيْسَابوري، المجتهد المطلق، البحر العجاج، والحبر الذي لا يُخاير في الحِجى، ولا يُناظَر في الحِجَاج، جمع أشتات العلوم، وارتفع مقدارُه فتقاصرت عنه طوالع النُّجوم، وأقام بمدينة نيْسابور إمامَها حيث الضّراعم مُزدحِمَة، وفردها الذي رفع العِلْمُ بين الأفراد علَمَه، والوفود تَفِد على رَبْعِه لا يتجنّبه منهم إلا الأشقى، والفتاوَى تُحمَل عنه برّاً وبحراً وتشقُّ الأرض شقّاً، وعلومه تسير فتهدي في كل سوداء مُدْلهِمَّة، وتمضي عَلَما تأْتمُّ الهداةُ به، وكيف لا وهو إمام الأئمة.

كالبحر يقذِف للقريب جواهرا

كرَماً ويبعثُ للغريب سَحائبا

مولده في صفر، سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

سمع من خلق، منهم: إسحاق بن رَاهويه، ومحمد بن حُمَيد الرَّازي، ولم يحدث عنهما؛ لكونه سمع منهما في الصِّغَر، وكان سماعه بنيْسابور في صِغَره، وفي رحلته بالري، وبغداد، والبصرة، والكوفة، والشام، والجزيرة، ومصر، وواسط.

روى عنه خلق من الكبار، منهم، البخاري، ومسلم خارج "الصحيح".

ومحمد بن عبدالله بن عبدالحَكَم، شيخُه.

قيل لابن خزيمة يوماً: من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماءُ زمزم لِماَ شُرِب لَهُ"، وإني لمّا شربتُ زمزم، سألت الله علماً نافعاً.

قال القفال الشاشي: سمعت أبا بكر الصيرفي، يقول: سمعت ابن سُرَيج، يقول: ابن خُزَيْمة يُخرج النُّكَت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمِنْقاش.

وقال الربيع بن سليمان: استفدنا من ابن خُزيمة أكثرَ مما استفاد منّا.

وقال محمد بن حِبَّان التّميمي: ما رأيتُ على وجه الأرض من يحسن صناعة السُّنَن، ويحفظ ألفاظَها الصِّحاحَ وزياداتِها، حتى كأن السننَ كلها بين عيْنيه، إلا محمد بن إسحاق فقط.

وقال أبو علي الحسين بن محمد الحافظ: لم أرَ مثلَ محمد بن إسحاق.

قال: وكان ابن خُزَيمة يحفظ الفقهيّات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة.

وقال الدارَقُطْني: كان ابن خُزَيمة إماماً، ثَبْتاً معدوم النظير.

وحكى أبو بِشْر القَطّان، قال: رأى جارٌ لابن خُزَيمة من أهل العلم، كأن لوحاً عليه صورة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وابن خُزَيمة يصْقُله، فقال المُعبِّر: هذا رجل يُحيي سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الحاكم في "علوم الحديث": فضائلُ ابن خزيمة مجموعة عندي في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتاباً، سوى المسائل، والمسائل المُصنّفة أكثر من مائة جزء، وله "فقه حديث بريرة" في ثلاثة أجزاء.

وعن عبدالرحمن بن أبي حاتم، وسئل عن ابن خُزَيمة، فقال: ويحكم! هو يُسأَل عنّا، ولا نُسأَل عنه، وهو إمام يُقتدى به.

قال محمد بن الفضْل: كان جَدّي أبوبكر لا يدّخر شيئاً جُهْدَه، بل يُنفِقه على أهل العلم.

وقيل: إن ابن خُزَيمة عمِل دعوةً عظيمةً ببستان، جمع فيها الفقراء والأغنياء، ونقل كلّ ما في البلد من الأكل والشّواء والحَلوى.

قال الحاكم: وكان يوماً مشهوداً بكثرة الخلْق، لا يتهيّأ مثلُه إلا لسلطان كبير.

مات ابن خُزَيمة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.

وفي مَرْثيّته قال بعض أهل العلم:

يا ابْنَ إسحاق قد مضيْتَ حميداً

فسقى قبرَك السحابُ الهَتُونُ

ما تولّيتَ لا بل العلمُ ولّى

ما دفنّاك بل هو المدفونُ(1)

العبر والفوائد التربوية:

- طلب العلم والحرص على تعلم ونشر الحديث الشريف شرف في الدنيا وعلو في الآخرة.

- طلب الحديث الشرف يورث القبول بين الناس والحب والثناء الحسن وحسن الظن.

- يظل العلماء ذوي جود وسخاء وكرم يكرمون الفقراء ويحترمون الأغنياء.

- كان علماؤنا يتواصلون مع شرائح المجتمع غنيهم وفقيرهم، بل ويحرصون على دعوة الفقراء إلى موائدهم ودورهم.

- الحرص على درجة الإتقان في التخصص الذي اختاره طالب العلم؛ حتى يحسن فنه وتخصصه وتفيد منه أمته.

- حرص العلماء على الدعاء وهم موقنون بالإجابة.

- الحرص على الإنفاق على طلبة العلم باب من أبواب الخير كان العلماء المقتدون يحرصون عليه؛ فكفالة طالب العلم أو إمام مسجد أو داعية تفتح أبواب الأجر العظيم لصاحبها، والدال على الخير كفاعله.

والحمد لله رب العالمين.

 

__________________

الهامش

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج3، تحقيق: محمود محمد الطناحي، عبدالفتاح محمد الحلو.

الأحد, 08 سبتمبر 2019 11:22

الربيع بن سليمان المُراديّ

«الربيع بن سليمان بن عبدالجبار بن كامل المُراديّ مولاهم، الشيخ أبو محمد المؤذن، صاحب الشافعي، وراوية كتبه، والثقة الثَّبْت فيما يرويه.

ولد الربيع سنة أربع وسبعين ومائة، واتصل بخدمة الشافعي وحمل عنه الكثير، وحدث عنه به.
روى عنه أبوداود، والنَّسائيّ، وابن ماجة، وأبو زُرْعة الرَّازي، وأبو حاتم..
وكان مؤذناً بالمسجد الجامع بفُسطاط مصر، المعروف اليوم بجامع عمرو بن العاص.
وكان يقرأ بالألحان، وكان الشافعيّ يحبه، وقال له يوماً: ما أحبَّكَ إليَّ!
وقال: ما خدمني أحد قطُّ ما خدمني الربيع بن سليمان.
وقال له يوماً: يا ربيع، لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك.
وقال القفّال في «فتاويه»: كان الربيع بطيء الفهم، فكرر الشافعيّ عليه مسألة واحدة أربعين مرة فلم يفهم، وقام من المجلس حياءً، فدعاه الشافعي في خلوة، وكرر عليه حتى فهم.
وكانت الرحلة في كتب الشافعي إليه من الآفاق نحو مائتي رجل، وقد كاشفه الشافعي بذلك، حيث يقول له فيما روى عنه: أنت راوية كتبي.
ومن شعر الربيع:
صبراً جميلاً ما أسرع الفَرجا
من صدَّق اللهَ في الأمور نجا
مَن خشِي اللهَ لم ينلْه أذَى
ومن رجا اللهَ كان حيث رجا
وقيل: كانت فيه سلامة صدر، وغَفْلة.
قلتُ: إلا أنها باتفاقهم لم تنته به إلى التوقُّف في قبول روايته بل هو ثقة، ثبت، خرَّج إمام الأئمة ابن خُزيمة حديثَه في صحيحه، وكذلك ابن حِبَّان، والحاكم.
وقال ابن أبي حاتم: سمعنا منه، وهو صدوق، وسئل أبي عنه، فقال: صدوق. انتهى.
وقال الخليل في «الإرشاد»: ثقة متَّفق عليه.
قال أبوعاصم: روى الربيع عن الشافعيّ أنه قال: في الأكل أربعة أشياء فرض، وأربعة أشياء سُنة، وأربعة أدب، أما الفرض: فغسل اليدين، والقصعة، والسكين، والمِغْرفة، والسُّنة: الجلوس على الرِّجل اليسرى، وتصغير اللُّقَم، والمضغ الشديد، ولعق الأصابع، والأدب: ألا تمد يدك حتى يمد مَن هو أكبر منك، وتأكل مما يليك، وقلة النظر في وجوه الناس، وقلة الكلام.
قال الربيع: دخلت على الشافعيّ، وهو مريض، فقلت: قوَّى الله ضعفَك، فقال: لو قوَّى ضعفي قتلني، قلتُ: والله ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير.
قال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: أنفع الذخائر التقوى، وأضرّها العدوان.
قال: وسمعتُه يقول: لا خير لك في صحبة مَن تحتاج إلى مُداراته.
قال: وسمعته يقول: من صَدق في أُخوة أخيه قَبِل عِلَله، وسدَّ خَلَله، وعفا عن زَلَله.
قال: وسمعتُه يقول: الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل.
قال الربيع: قلتُ للشافعيّ: من أقدر الناس على المناظرة؟ فقال: مَن عوَّد لسانه الركْض في ميدان الألفاظ، ولم يتلعثم إذا رمقتْه العيون بالألحاظ.
قال الطحاويّ: مات الربيع بن سليمان، مؤذن جامع الفسطاط، يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة خلت من شوال، سنة سبعين ومائتين، وصلى عليه الأمير خُمارَوَيْه أحمد بن طولون»(1).
العبر والفوائد التربوية:
- رحم الله الإمام الربيع، رفع الأذان فرفع الله ذكره في العالمين، والجزاء من جنس العمل.
- رضي الله تعالى عن الإمام الشافعي؛ إذ كان يتعامل مع الربيع راوية كتبه بكل أدب جم وحسن ظن.
- صبر الشيخ على قلة فهم تلميذه، وإعادة مسائل العلم عليه؛ خلة رائعة من خلال البر والكرم.
- ما كان من الربيع من غفلة لم تدع علماءنا الأجلاء لتركه ما دام ثقة ثبتاً صدوقاً فاتفقوا عليه؛ فالمسلم الفطن الأريب لا يحتقر أحداً من خلق الله تعالى.
- إن الدعاة المربين يجب أن يفيدوا من التراث الإسلامي الهائل الذي يحوي الآداب والقيم والتوجيه والإرشاد والتزكية.
والحمد لله رب العالمين.

 

_______________
الهامش
(1) ابن السبكي- طبقات الشافعية الكبرى ج2، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top