سامي راضي العنزي

سامي راضي العنزي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الجمعة, 18 سبتمبر 2020 02:56

الصدق منجاة والكذب دمار (2 ـ 5)

تحدثنا في الحلقة الأولى عن الخير؛ قدمناه بداية كما هو في كتاب الله تعالى: " ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يرَهُ " فتحدثنا مستفتحين بالصدق.

في هذه السطور سنتحدث عن المقابل للصدق؛ وهو الكذب وآثاره المدمرة بما أن العنوان يحمل النقيضين.

الكذب أسوأ الخلق والصفاة التي يُبتلى فيها الانسان ، فالكذب محور الاقتداء بالشيطان الرجيم أعاذنا الله به منه، الكذب يعني تزييف الحقيقة او تزييف جزء منها، والكذب ممقوت ومرفوض عند كل الأديان والمجتمعات الإنسانية والملل، فلا يرغب فيه ويتبناه إلا الشيطان الرجيم وأجناده وأنصاره.

العرب الشرفاء رغم كفرهم سابقًا؛ بل البشرية عمومًا يكرهون الكذب، ويرونه ليس من المروءة والرجولة والعزة، وما دار بين أبي سفيان رضي الله عنه وهرقل الروم من حديث حول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لدليل على هذه الأخلاق والمروءة للرجال بغض النظر عن الدين حينها.

لا شك الكذب منبوذ وممقوت ومحرم في كل الأحوال إلا ما أجازه الشرع في مواقفه الثلاث المعلومة شرعًا، ومن أعظم وأخس الكذب؛ الكذب الذي يكون في الدين وعلى الله تعالى بتحليل ما حرم وتحريم ما حلل كذبًا وزورًا وبهتانًا؛ قال تعالى: " وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ".

وكما جاء في الصحيح عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فإنَّه مَن كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ؛ وفي رواية مسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ".

وكما قال أهل العلم والتخصص وأظنه ابن القيم إذا لم تخني الذاكرة بين في ذلك قائلًا: " المباءة " هو الرجوع الى الاستقرار ويكون هو الأصل له كاستقرار، أي اتخذه  " مباءة " يستقر فيه لا كالمنزل الذي ينزل فيه ثم يرحل عنه، هو الاستقرار الثابت في نار جهنم نسأل الله السلامة والعفو والعافية.. نعم.. لأن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم هو كذب على التشريع، والتشريع لا يشرعه إلا الله تعالى عن طريق الرسل والأنبياء.

الكذب كما أسلفنا هو سلاح الشيطان وفنه في محاربة الحق والدين والإسلام والمسلمين، فأول من كذب على آدم الشيطان الرجيم " وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " من أجل ارضاء حقده وحسده، وأيضا العدو الذي جنده الشيطان لمحاربة الحق والإسلام، وهاهي " كذبة أبريل" كما يطلقون عليها، والتي مع الأسف الكثير منا يجهل أصلها ولما أوجدها العدو، وحينما نتابعها نجدها لا تقل فنًا ولا سيناريو عن فنية كذب الشيطان في إخراج آدم من الجنة!

يوم أن كان المسلمون في الأندلس وسيطرتهم عليها، حاول النصارى الحد من امتداد الإسلام ونفوذ المسلمين، فأرسلوا جواسيسهم وجراءهم ليكتشفوا سر قوة دين الإسلام والمسلمين، فعلموا أن سر قوتهم تقوى الله تعالى وتحري الصدق معه وتحاشي الكذب، فعمل النصارى استراتيجتهم لنخر ذلك، فتبرعوا بالخمور مجانًا من أجل النيل من المسلمين وبلادهم حتى سقط الحصن الأخير " غرناطة " وأطلقوا على هذه الحركة " APRL FOOL " بمعنى خدعة ابريل وما زالوا يحتفلون كل سنة ويعتبرون المسلمين حمقى.

هذا هو الكذب الذي يصنعه سيد الكذب الشيطان الرجيم وخدمه.

هذا هو الكذب الذي أخرج آدم من الجنة حيث كذب الشيطان عليه، والكذب نفسه ساهم مساهمة محورية في خروج الإسلام من إسبانيا، وها نحن نعيش حالة الكذب في التطبيع ودعوى رقي يهود وإنسانيتهم! ونكذب كتاب الله تعالى العظيم الذين حقرهم باضطراد.

الكذب سلوك خطير بل هو بذاته مشكلة سلوكية لها آثارها السلبية الخطيرة على المجتمع وعلى الفرد وعلى الأسرة، وقد أثبتت الدراسات العلمية أيضًا من قبل الاخصائيين؛ أن الكذب له أثرة السلبي على صحة الشخص الذي يعتاد الكذب، كما أنه تلافي قول الصدق والحقيقة قد تكون له مخاطره الكبيرة على الصحة أيضًا، وأكدت الدراسات أن الشخص الذي يعتاد الكذب هو عرضة للمشاكل الصحية بشكل عال ومعرض بشكل خطير الى التوتر والقلق والاكتئاب .

 

ــــــــــــ

إعلامي كويتي.

الأربعاء, 16 سبتمبر 2020 03:48

الصدق منجاة والكذب دمار (1 - 5)

يقول رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم مخاطبًا سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه، يقول صلى الله عليه وسلم: "ألا أُخبِرُك بِرأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروَةِ سَنامِه؟"، قلت: بلَى، يا رسولَ اللهِ، قال: "رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ، وذِروةُ سَنامِهِ الجِهادُ".

ذروة سنام الأمر عمومًا الجهاد، وذروة سنام التفصيل فيما نقول؛ وأعني ذروة سنام الأخلاق هنا إذا جاز لنا التعبير "الصدق".

وكما قال أحد الشعراء:

إن الكريم إذا ما كان ذا كذبٍ                شان التكرم منه ذلك الكذب

الصدق أفضل شيء أنت فاعله            لا شيء كالصدق لا فخرٌ ولا حسب

فمن أرفع وأجل وأعظم الأخلاق الصدق، وقول الصدق، فالصدق من الأخلاق والفضائل التي لها في ميزان العبد ما لها دنيا وآخرة، فالله تعالى أمر بالصدق، والصدق وقول الصدق من تقوى الله تعالى كما بيَّن ذلك في كتابه العظيم قائلًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119).

لا تتمحور تقوى الله تعالى على قلب المؤمن إلا إذا كان من الصادقين عملًا بإتقانه وفعله بهمة وصد، وقوله لا يكون إلا في قول الصدق بما يحدث به وما حدث وما شاهد، في غيره وفي نفسه، ومن يحب وإن كان من أقرب الناس له، هكذا تكون التقوى، التي لا تكون في القلب إلا إذا كان هذا القلب والعقل واللسان لهذا الإنسان يسيح ويسبح في عطور الصدق والصادقين.

لا شك أن الصدق وخصوصًا في أزمان الفتن يكون له ما له حيث اطمئنان القلوب والناس أفرادًا وجماعات، وكيف لا وهو أعظم وأرقى وذروة سنام الخلق في نظري، فالصدق محور عظيم من محاور حفظ الدين، فلذلك كان هذا الخلق العظيم محل عناية مطردة ومكررة في كتاب الله تعالى، وذلك من أجل الاستدلال على أن المسلمين أفرادًا وجماعات ومجتمعات يجب أن يتصفون بهذه الصفة الراقية الجميلة، صفة الصدق وقول الصدق، قولًا وصمتًا، وحركة وسكونًا، وبالوعد والمواعيد والعهود والمواثيق، وهذه هي الصفة التي يثني عليها الله تعالى في كتابه وهي دليل التقوى وتحري رضا الله تعالى ما بين الترغيب والترهيب، كيف لا وهي صفات الأنبياء والرسل والصادقين؛ (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً) (مريم: 54)، وقال تعالى في الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) (الصافات: 37).

الصدق خلق المسلمين، فلذلك بداية أشرت أنها ذروة سنام الخلق إذا جاز التعبير وصح، وهي خلق سيد الأنام وأسوتنا، نعم فهو صادق مع ربه ومع نفسه، ومع الناس بلا استثناء من أهله وغيرهم وأحبابه وأعدائه.

قال صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا".

ويقول صلوات الله وسلامه عليه: "اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ".

نعم، حركة عملية ميدانية قولية جوارحية حركية شاملة بالصدق.

يتبع..

 

 

________________

إعلامي كويتي.

يقول الله تعالى في كتابه العظيم: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: 120) آية عظيمة ودقيقة في وصفها الذي يجاري كل العصور والأزمان والأزمات والمواقف مع مرور الأيام.

يقول أهل التفسير في هذه الآية الكريمة، والخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مباشر حينها، يقول المفسرون: يا محمد، ليست اليهود ولا النصارى براضية عنك أبداً، و"لن" تعني الآني والحركي مستقبلاً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب الله ورضاه سبحانه وتعالى، و"حتى" يأتي للغاية التي بعده ولا سواها، هذا هو الأصل، فالأصل عندهم أن يتبع محمد صلى الله عليه وسلم ملتهم تابعاً لا رأساً ولا متبوعاً!

ويقول المفسرون، تكملتا للآية (إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (البقرة: 120): إن الله تعالى أمره صلى الله عليه وسلم وبين له أن ما عنده هو الحق، ولئن اتبعت أهواء هؤلاء المغضوب عليهم الضالين بعد الذي جاءك من العلم والوحي والحق؛ ما لك عند الله من ولي ينفعك ولا نصير ينصرك، ويقول المفسرون أيضاً: هذا موجَّه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو خطاب أيضاً لأمته حتى قيام الساعة.

سبحانه وتعالى من قال وبيَّن لنا خباثتهم بقوله: (حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ولم يقل: "حتى تكونوا مثلهم في ملتهم"، يسعون دائماً وأبداً أن تكون أمة الإسلام تابعة لهم وهم أسيادها! لا تملك ذاتها ولا تملك قدراتها، وإن كان فلا بد ستكون تلك الذات والقدرات تعمل تبعاً لمن يقودها ويتسيد عليها (اليهود والنصارى)، كما نشاهد ونعايش خطوات اليهود كيف سيطروا على النصارى، وكيف تخدمهم خادمتهم الكبرى الولايات المتحدة ورئيسها ترمب وغيره.

حسبما علمت أو هناك تحرك غير عادي من أجل الضغط على الكويت، كويت المجد والحب والرفعة والثبات على المبدأ، من أجل مشاركتها في مراسيم التطبيع الذي يشمل "البحرين، الإمارات، الكيان الصهيوني، أمريكا"، والحكومة الكويتية لا ترغب بذلك، وهذا موقف مشرف ويستحق الدعم، بل واجب شرعي ووطني دعمه ودعم الحكومة في ذلك، وأيضاً دعم مجلس الأمة ليكون سنداً للحكومة في هذا الموقف، يدعمها محلياً وإقليمياً من أجل صرف نظر اليهود والنصارى عن الكويت الحبيبة، وعدم النظر لها مشاركة في أمور كهذه كلها خزي ولا خير فيها ولا تاريخ حسن سيكون في دخولها مستقبلاً.

خصوصاً إذا ما علمنا أن كثيراً من شرائح المجتمع في البحرين الشقيق ترفض هذا التطبيع، وبيَّنت ذلك في بيانات أو بيان الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع البحريني، وبينت موقف الشعب البحريني الإيجابي مع إخوانه أهل فلسطين المسلمة العربية المغتصبة، وهي 17 جمعية صدرت هذا البيان الرافض للتطبيع، ملبين رغبات الأمة والشعب الفلسطيني الصادق المناضل، ولا نامت أعين أهل التطبيع والانبطاح.

السبت, 12 سبتمبر 2020 08:03

الحب والأخوة في الله تعالى

كثيرًا ما نسمع هذا المصطلح "الأخوة في الله" و"الحب في الله"، وأنها يجب أن تسبق كل محبة، أو يجب أن تكون هي الأصل بين المسلمين، والأساس من أجل قيام كيانهم وأمتهم، وهذا ما عمل به بداية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة؛ فلذلك.. نبدأ حديثنا فيما قاله أطهر وأصدق فم في هذا الأمر، قال صلى الله عليه وسلم: "أنَّ رَجُلًا زارَ أخًا له في قَرْيَةٍ أُخْرَى، فأرْصَدَ اللَّهُ له، علَى مَدْرَجَتِهِ، مَلَكًا فَلَمَّا أتَى عليه، قالَ: أيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: أُرِيدُ أخًا لي في هذِه القَرْيَةِ، قالَ: هلْ لكَ عليه مِن نِعْمَةٍ تَرُبُّها؟ قالَ: لا، غيرَ أنِّي أحْبَبْتُهُ في اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ: فإنِّي رَسولُ اللهِ إلَيْكَ، بأنَّ اللَّهَ قدْ أحَبَّكَ كما أحْبَبْتَهُ فِيهِ".

الحب في الله والأخوة فيه وفي الدين لا شك من أفضل الخلق، وهذه الأخوة والمحبة لها شروطها وحقوقها أيضًا لتكون خالصة لله تعالى، ومن ثم تكون سببًا للتقرب إلى الله تعالى من خلال هذه المحبة والأخوة فيه ذي الجلال والإكرام.

هناك أصول وحقوق وواجبات لهذه المحبة في الله تعالى، نعم، فهي مرحلة القمة، قمة السمو والعلو عند الله تعالى؛ بل تؤدي بالمتحابين لمنزلة الأنبياء والشهداء؛ بل يغبطهم الأنبياء والشهداء على مكانتهم يوم القيامة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مِن عبادِ اللهِ لَأُناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شُهداءَ، يغبِطُهم الأنبياءُ والشُّهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللهِ تعالى، قالوا: يا رسولَ اللهِ، تُخبِرُنا مَن هم؟ قال: هم قومٌ تحابُّوا برُوحِ اللهِ على غيرِ أرحامٍ بَيْنَهم، ولا أموالٍ يتعاطَوْنَها، فواللهِ إنَّ وجوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم على نُورٍ، لا يخافونَ إذا خاف النَّاسُ، ولا يحزَنونَ إذا حزِن النَّاسُ"، وقرَأ هذه الآيةَ: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

نعم، حينما أقول لأخي في الله: "أحبك في الله" ماذا نعني بها؟ وما أصول تعاملي مع هذا الذي أحبه في الله؟

من الحب في الله تعالى محبة الخير لإخوانك في الله، فهذه الأخوة في الله نعمة لا يعرف قدرها إلا الكيّس الفطن نقي القلب والسريرة، فلنحرص على هذه الأخوة والمحبة وعلى ثباتها وتجديدها بشكل مستمر، إنها المحبة والأخوة في الله.

ويجب أن نعلم يقيناً أنه من أعظم وأجمل متع هذه الدنيا أن تكون المحبة والأخوة بيننا كإخوة لله وفي الله مسلمين، وهذه الأخوة في الله تعالى يسعى الشيطان الرجيم وجنوده بكل ما استطاعوا لزوالها من تربيتنا وفكرنا وأعمالنا لعلمهم -الشيطان وجنوده- أن هذه الأخوة والمحبة في الله طريق القوة، وطريق النصرة، وأصل لقيام الأمة على أصول الدين الذي مقياسه ومسطرته الكتاب والسُّنة، وهذا بالنسبة للشيطان وخدمه أمر مخيف بكل معنى الكلمة، فأنشأ العدو جماعات لا همّ لها إلا أن تتصيد الأخطاء العفوية للإنسان؛ ومن ثم صناعة الظلال والتداعيات من أجل تلاشي المحبة والأخوة في الله تعالى؛ فلذلك نؤكد ونقول: فليبر الأخ بأخيه إحسانًا، ونعذر بعضنا بعضًا، ونقدم حسن الظن، وننظر للمحكم في الإنسان وفكره، ويكون هذا هو الأصل، والمتشابه نرده للمحكم إذا جاز التعبير "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ"، لنحترم بعضنا ويوقر بعضنا بعضًا، ونلين لبعضنا بعضاً قبولًا ونقاًشا واختلافًا حتى تدوم هذه المحبة والأخوة في الله تعالى، فإنها القوة الأقوى في إضعاف الشيطان وجنده.

من تكون له أخوة ومحبة في الله تعالى مع إخوانه وأحبابه فليحمد الله تعالى، وليعلم أن الله قدم له دليلاً على أنه سبحانه وتعالى نظر له نظرة خير ورفق وحب.

نعم أيها القارئ الكريم؛ وذلك لقوله تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 63)، نعم إنه الفضل الأكبر والمنة الرائعة عليك أيها المحب في الله تعالى (وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، إنها لفتة من الله تعالى لعبيده المتحابين فيه، نسأل الله تعالى أن يديم المحبة في الله تعالى علينا إخواني في الله.

هذه المحبة في الله والأخوة فيه جل جلاله أصل من أصول؛ بل هي الدعامات الأساسية والمحورية لبناء الأمة والمجتمعات، وهذه الأخوة والمحبة في الله تعالى هي التماسك الذي يزيد الأمة قوة ووحدة كما قال تعالى مؤكدًا هذه المحبة وأثرها على الأمة قائلًا: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: 103)، وهذا ما عمل به النبي صلى الله عليه وسلم بداية بالأخوة بين المهاجرين والأنصار، فكانت هذه الأخوة هي الأرضية الصلبة والدعامات الكبرى لقيام الدولة الرائعة العظيمة.

إن الله تعالى يوصي عباده بالأخوة والحب والتصبر على الإخوان؛ قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف: 28)، وهذا حث واضح تعريضًا وضمنًا في مجالسة الأخيار والتواد معهم والصبر على كل ما يمنع ذلك لتكون واحدًا بين من قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ"، هذا في أقل الأحوال.

نعم، ولا تشقى دولتهم؛ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة على هذا الإخاء العظيم بين الأنصار والمهاجرين، فأغلق أبواب الشياطين حتى لا تنخر بالدولة، واليوم الشيطان الرجيم وخدمه بذلوا كل الجهد لفتح هذه الأبواب على مصراعيها من خلال إلغاء المحبة والأخوة في الله تعالى، وتصيد الأخطاء والزلات، وصناعة الظلال والتداعيات السلبية لنكون في الهاوية.. فافهموا!

 

 

_____________________

إعلامي كويتي.

نصرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واجب شرعي على الفرد والكتل والأحزاب والدول المسلمة، وهي في الوقت نفسه مقياس إنساني وأخلاقي وشرعي، فمن لم تتحرك غيرته في هذه المواقف ولم يشعر بشيء من المهانة وشيء من الحرقة فليراجع نفسه وإيمانه؛ بل وحتى إسلامه وإنسانيته، فإنه على خطر عظيم.

لا يحق لأحد من المفكرين أو ممن يطلقون على أنفسهم كتَّاباً أو رسامين أن يستهزئ بالتحرك العفوي للشارع المسلم، الذي هو -التحرك- على قدر الاستطاعة، فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أعطانا المقياس الذي نتحرك من خلاله، وكل إنسان بحسب قدراته وإمكاناته، ففي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنَّدها لنا كل حسب قدراته "اليدين"، أو "اللسان"، أو "القلب" وذلك أضعف الإيمان، فلا ينبغي لكاتب أو من يدعي أنه مفكر أن يرهب الناس بشكل أو بآخر ويصغرهم بدفاعهم عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ومن ثم انزواء البسطاء وعدم دفاعهم عن نبيهم فهذه دعوة شيطانية غير مباشرة ومبطنة، وهي لا تقل خطراً عن دعوة الاستهزاء بالنبي عليه الصلاة والسلام وشتمه.

الدفاع عن محمد صلى الله عليه وسلم في وقت كهذا الذي نعيشه وأحداثه واجب شرعي، وواجب إنساني، وواجب أمني، وإلا تمادى هؤلاء الشراذم من رؤساء وغيرهم على الدين أكثر وأكثر.

في حال عدم تحرك الشارع المسلم بفطرته وقدراته البسيطة التي لاحظناها من خلال الرسائل مع مضايقة من يتحرك لهذا الأمر باللمز مرة والتعريض أخرى، تعني شرعية ذريعة المتطرفين والتكفيريين، ويكون لأهل الإرهاب والدماء والأشلاء، الذريعة في شرعية ما يذهبون إليه من فكر معوج، وأن ما يفعلونه في المسلمين والناس عموماً لم يكن خطأ، بل هو عين الصواب، والدليل ها هي الأمة توافق حتى بالطعن في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا تقبل التوبة من الطاعن فيه حتى وإن أعلن التوبة من الاستهزاء به أو شتمه صلى الله عليه وسلم؛ فأين هؤلاء المتفذلكون من هذا؟ وأين الحكومات المسلمة؟ وأين منظمة التعاون الإسلامي؟ وأين الجامعة العربية؟! والمؤتمرات الإسلامية المزعومة، وكبار الهيئات العلمية أولًا.

ثانيًا: هذا محمد صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن يلقى مثل هذا الاستهزاء ومن ثم نكون أهل التسامح بسكوتنا ومجاملاتنا التي ستكون حينها هي أقرب إلى الضلال والنفاق، ومن ثم نتودد لهم باسم السلام وأننا شعوب نحب السلام، ومن ثم نكتشف أنه ليس سلامًا بقدر ما هو خلط بين السلام والجبن والهوان والهوى والخيانة والنفاق، وذلك لعدم وجود إطار الهوية والولاء، وإقصاء الأممية من ثقافتنا العفوية.

 

__________________

إعلامي كويتي.

بداية، وحتى لا تختلط الأمور على القارئ الكريم، نتحدث تبيانًا حول "النورانيون"، وإن كنا تحدثنا فيهم وعنهم فيما سبق بمقالات ورسائل عديدة، وبيّنا من هم وما دينهم وعقيدتهم ومبادئهم، وما هو عملهم الدنيء في ومن أجل استحقار الإنسانية، وأن الأنسان عندهم عبارة عن حيوان بالأصل، ولكن إكرامًا لهم جعله إلههم بشكل إنسان ليكون جديراً شكلاً وأداء لخدمتهم ويليق شكلاً لمقامهم بصفتهم شعب الله المختار!

"النورانيون" هم القيادة العليا للماسونية الصهيونية العلمانية العالمية، التي تم تأسيسها رسمياً -بعد ما كانت خفية تحت مسميات عدة- "النورانية" بطلب من أصحاب المال اليهودي في القرن السابع عشر الميلادي تقدموا بطلبهم من البروفيسور الألماني وايزهابت، وكان من بعده خليفته الجنرال بايك، الذي كان الكاهن الأكبر لعقيدة "عبدة الشيطان"، والموجه الأول من بعد أستاذه لقوى الشر عبادة الشيطان.

حينما نقول "النورانيون" قيادات الماسون العليا عبدة الشيطان لم نكن مبالغين، كما يروج البعض تبرئة لأسياده الماسون.

نعم، هناك العديد من الوثائق في المتاحف تؤكد ذلك، وهذه رسالة تعتبر من أعظم وأهم الوثائق التي تبين إله "النورانيون" الماسون العلمانيون، هي الرسالة التي كتبها الجنرال بايك إلى المحفل الماسوني الصهيوني الأمريكي الأكبر يوم 14/ 7/ 1889م، منبهاً المحفل الذي بدأ يدير العالم من أمريكا، موضحاً المنهج والالتزام به قائلاً:

"يجب أن نقول للجماهير: إننا نعبد الله.. ويجب علينا نحن الذين بلغنا مراتب الاطلاع العليا أن نحافظ على نقاء الإيمان بألوهية الشيطان.. أجل الشيطان؛ هو الإله، ولكن الله أيضاً لسوء الحظ إله"! "إذ إن وجود إلهين متقابلين أمر محتوم، ولا إله إلا هما، فلذلك نعتبر عبادة الشيطان وحده كفراً، والحقيقة الخالصة هي أن الله والشيطان إلهان متساويان.. ولكن الشيطان هو إله النور والخير، وهو ما زال يكافح منذ الأزل ضد الله، إله الظلام والشر.."! تعالى الله عما يقولون

"النورانيون" عبدة الشيطان، يمهدون وبكل قوة لإلههم القادم "المسيح الدجال" وخدمه من يهود، ومن بعض الأعراب وغيرهم من سفهاء الأحلام، كما أشار وبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.

ما علاقتهم بالبيعة التي ذكرناها عنواناً "بين الركن والمقام"؟

طبعاً لا دخل لهم في ذلك، فهم وخدمهم من "الجويم" أبعد ما يكونون عن هذه البيعة المباركة، ولكن عنينا بالربط في العنوان أن أفعالهم، ومؤامراتهم، التي بدأت بمخطط خطير من أجل قيام ثلاث حروب كونية، كل واحدة منها تكون نتائجها النهائية دعماً للمخطط النوراني الشيطاني، وبالفعل قامت حربان كونيتان، ونحن اليوم نعايش الأوضاع ونتوقع في أي لحظة تقدح شرارة الحرب الكونية الثالثة، نسأل الله تعالى العفو والعافية والسلامة.

نعم أيها القارئ الكريم، حينما نمعن النظر في الأحداث كمسلمين نرى أنه من السخافة والصفاقة وقلة العقل والسطحية فهماً للدين والدعوة ألا نفكر في قيام دولة الإسلام، أو التجمع الإسلامي كمحور تتمحور حوله الأمة، وغير ذلك، ما نحن إلا شظايا يلعب بها خدم عبدة الشيطان، وقبائل بأسماء جديدة بديلة للقبلية السابقة تقتل بعضها بعضاً، وخدم بعلم وبغير علم لليهود الصهاينة الماسون مطبقين ما تم تخطيطه في إدارة العالم لصالحهم وشيطانهم وإلههم القادم "المسيح الدجال".

العالم اليوم فيما يصنع من جرائم ومخططات؛ ومتقصداً من خلال أعماله هذه القضاء على الإسلام كما يظن ذلك، وذلك بتشريد أهل الإسلام، وقتل أولياء الله تعالى، واعتقال كل من يعرض عن النفاق والتزلف؛ وتلفيق التهم لهم، نراه ونعايشه عالمياً بحرب متكاملة ما بين القتل، والتشريد، والتشويش والتشويه الفكري والعقائدي، والاعتقال القسري والقهري، والتشظي الجغرافي، وادعاء الحق كما يدعيه المجرم "داعش" وأمثاله صنيعة صهيون الموجه لتشويه الأممية استباقاً! والوجه الآخر من العملة لـ"داعش" الانبطاحيون الذين لا نقد لديهم ولا تجريح إلا في العلماء والدعاة الصادقين، وأهل الصمت المترنح ما بين الجبن والنفاق، وكما قال الفيلسوف الشهير أدمون بورك: "إن كل ما تحتاجه قوى الشر هذه لتنتصر هو أن يمكث أنصار الخير مكتوفي الأيدي دون القيام بعمل".

كما فعل أهل التزوير والزور، وما يدعيه كل كسلان، وطاعن في بلاغة القران، واستفزاز المسلمين طعناً بسيد الأنام عليه الصلاة والسلام وأمثالهم، وحينما نمعن النظر في الحال ونعايشها، نرى الأمور لا تدل إلا على عمل متكامل قريب من حالة مفصلية يرجوها العدو، وهذا سيجعل الأمة في النهاية تكفر بكل شيء، وكل تنظيم، ولا تسعى إلا لوجود محور تلتف حوله والبحث عمن يبايع بين الركن والمقام للنجاة وخروج الأمة مما هي فيه من هذا الفتات والتشظي الجغرافي الذي صنعه العدو، وما زال يسعى للتفتيت جغرافياً أكثر وأكثر، حتى نصل كأمة إلى الأكثر هلهلة، ومن ثم لا يمكن لها الصمود أمام أي نسمة هواء ينفثها العدو .

ستدفع بنا الأحداث كأمة بالتحرك من أجل الخلاص، وحينها سنفهم الأوليات بدقة وبشكل جيد كما فهمها العدو، إن الأولوية بالنسبة له إسقاط الخلافة كمحور للأمة، وتجريم من يدعو لها بشكل أو بآخر استباقاً، سنفهم حينها أن الأولوية قيام بيعة للخلافة، أو كتلة كونفدرالية أو تجمع سمها ما شئت، المهم محور تتمحور حوله الأمة؛ وإلا سنبقى غثاء السيل الممقوت رغم كثرتنا!

 

_____________________

إعلامي كويتي.

الثلاثاء, 01 سبتمبر 2020 21:30

الحلم والتواضع وعباد الرحمن

لا شك أن هناك الكثير والكثير من الآيات القرآنية والنصوص النبوية التي تحض المسلم على التواضع والحلم والتعقل، وتقديم الهدوء والعقل في كل حركة وسكنة من حياتنا كمسلمين؛ يقول تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً {63} وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً {64} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً {65} إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) (لفرقان).

السكينة والوقار والتواضع لله تعالى ولعباده؛ قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) من جميل صفات عباد الرحمن تواضعهم لله جل جلاله ولعباده؛ فيمشون بسكينة وطمأنينة ووقار (في مشيهم بذاتهم أو قيادتهم مركباتهم)، وهذا التواضع هو ثمرة من ثمار الإيمان وأثرٌ من آثاره.

يقول بعض المفسرين: يقول تعالى: هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي وذلك بقوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) يثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا ويثابون في الجنة وهي "الغرفة" بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً)؛ أي بالطاعة والعفاف والتواضع، ومن مظاهر تواضعهم أنهم إن واجهوا في طريقهم بعض أهل السفه فإنهم يخاطبونهم بسديد الكلام البعيد عن السفه، وهذا معنى قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)، فبهذا جمعوا لأنفسهم سلامة العثرتين؛ عثرة الرجل وعثرة اللسان، نعم لا يقابلون الجاهلين والسفهاء بمثل جهلهم، وإنما يعرضون عنهم سواء بالقول أو "بالسير رجلاً أو مركبة"، إنما يعرضون عنهم لسلامة النفس والعقل والطريق، فيدفعون الإساءة بالإحسان كما قال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت).

من صفات عباد الرحمن التواضع والحلم، وبيَّن الله تعالى في كتابه العظيم صفتهم؛ يقول جل جلاله: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، تقول أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: "إنكم لتغفلون أفضل العبادة.. التواضع".

ومن علامات التواضع، يقول سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "إن من رأس التواضع أن تبدأ من لقيت بالسلام، وأن ترضى بالدون من شرف المجلس، وتكره المدحة والسمعة والرياء بالبر".

لو دققنا باللفظة بذاتها نجدها مكرمة لهؤلاء العباد، حيث إضافتهم إلى الرحمن، نعم فما كانوا له عباداً إلا برحمته وفضله ومنته الرحمن الرحيم، هو سبحانه سخر لهم السبب للطاعة ويسّر لهم كل السبل أو سبل الخير ليثبتهم على الإيمان ومن ثم يكونوا "عباد الرحمن" بفضله ومنته، ولا شك هذا له ميزة في الدنيا، وأفضل منها في الآخرة جنة الخلد دار السلام.

صفات عباد الرحمن الحسنة كثيرة، ولكن أظهرها التواضع والحلم، جاء رجل لأحد الصالحين وقال له: "إن قلت كلمة ستسمع عشراً"؛ يعني سيرد عليه بقسوة الكلام وكثرة اللفظ السيئ، فقال له الرجل الصالح الحليم: "وأنت إن قلت عشراً لن تسمع بفضل الله كلمة واحدة"، نعم هذا هو التواضع المدموج في الحلم ورقي العقل الذي يحبه الله تعالى ورسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

العبودية إما أن تكون إلى حق؛ وهي التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، وإما إلى باطل وهي تمثل عبادة الشهوات والهوى، وشتان بينهما، أما إن أخلص العبد الكيس الفطن بالتوجه إلى عبادة الحق الرحمن الرحيم وفقه تعالى واكتنفه تحت عنوان "عباد الرحمن" بفضله ومنته وكرمه جل جلاله.

نختم بهذه القصة مع الزاهد عبدالله بن المبارك إذا لم تخني الذاكرة وحلمه وروعة فنه في الدعوة وتوصيل المعلومة بفن وتواضع، عطس رجل عنده ولم يقل: "الحمد لله"؛ فقال له العابد الزاهد: أخي في الله ماذا يقول المسلم إن عطس؟ فقال، يقول: "الحمد لله"، قال الزاهد الحليم بكل تواضع: "إذاً.. يرحمك الله".

 

_______________________

إعلامي كويتي.

الأحد, 30 أغسطس 2020 15:55

فضل الصحابة في نقل الدين

لا شك أن للصحابة الكرام الفضل على أمة الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهم القاعدة الصلبة التي عاصرت وصاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتربت على يديه، وتحملت معه ما تحملت وذلك بفضل الله وحكمته ومنته ليكون الإسلام في مأمن من التغيير والتحريف مع مرور الزمن، فكان الصحابة رضي الله عنهم المرجعية الصلبة الثابتة نزاهة وعدالة ونقاوة؛ ومن خلالهم الوصول خبراً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وتقاريره وأفعاله عليه الصلاة والسلام..

لا شك أن الله تعالى نظر إلى مخلوقاته الإنس والجن فلم يجد أفضل من جموع الصحابة ليكونوا رفاق حبيبه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فاختارهم لجدارتهم لهذه المهمة وهو العليم والخالق العظيم.

نعم، اختارهم لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم، فلا يختار لحبيبه إلا من يحب، وقد قال الله تعالى فيهم مع حبهم صلى الله عليه وسلم " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا " (29 الفتح).

في هذه الآيات بين الله تعالى منزلة الصحابة، وبين حتى نواياهم ودواخلهم وصدقهم الخفي الصادق وإخلاصهم لله تعالى حتى لا يأتي بعدهم من يشكك بإخلاصهم ودينهم " أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ.. رُكَّعًا سُجَّدًا.. " لماذا...؟

" يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا " .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم معززاً رافعاً أصحابه فقال: " أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم ثم يَفشو الكذبُ حتى يَحلِفَ الرجلُ ، ولا يُستَحلَفُ ويَشهَدُ الشاهدُ ، ولا يُستَشهَدُ "

الأدلة لا تعد ولا تحصى التي تدل على حصافة الصحابة وذكائهم  وبعد نظرهم وعدالتهم، وأنهم من أصحاب العقول الراقية التي من الصعب خداعها والضحك عليها، وأن إيمانهم لم يكن كإيمان العامة، وما حكاية الصحابي " جندب بن كعب الأزدي يوم أن رأى الساحر يبهر الحضور بضرب عنق الرجل واعادته فقال الحضور: سبحان الله يحي الموتى ! فجاء جندب بن كعب الازدي وضرب راس الساحر فقال فليحيي نفسه وتلا قوله تعالى: " أفتأتون السحر وانتم تبصرون ".

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور مستقبلية في الصحابة؛ وفيها الخير للأمة وتم ذلك حتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ كارتداء سراقة سواري كسرى.. نعم.. لقد كمل الصحابة بعضهم بعضا لكياستهم وفهمهم؛ وأدركوا بدقة متناهية أن هذا الدين عظيم وكامل متكامل، وطرحه يجب أن يكون كاملاً شاملاً حسب قدرات الإنسان كل حسب اختصاصه، فكان الصحابة أرفع وأسمى من يعلم تكامل الدين والقدرات الإنسانية وتوافقها مع تكامل هذا الدين الذي يحترم قدرات كل إنسان حسب قدرته وملكاته التي يجيد العمل من خلالها وقد جبل عليها أو اكتسبها تعليماً وممارسة.

نعم أيها القارئ الكريم؛ الصحابة عملوا منذ البداية حباً لهذا الدين وهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم وحبا فيه، حتى عجب الكفار من حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال أحدهم " فوالله ما تنخم رسول الله " صلى الله عليه وسلم " إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ".

تميز الصحابة بالثبات والصلابة على الحق، وعلى الصدق وقول الصدق.. نعم الصدق في العمل والقول والنية، فها هو أعرابي من الصحابة رضي الله عنه حينما بايع النبي صلى الله عليه وسلم وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه من الغنيمة فماذا كان رد هذا الصحابي الأعرابي!؟، قالَ: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قَسمَهُ لَكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ. فأخذَهُ فجاءَ بِهِ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا مُحمَّدُ، ما هذا؟ قالَ: قَسمتُهُ لَكَ، قالَ: ما على هذا اتَّبعتُكَ، ولَكِنِّي اتَّبعتُكَ على أن أُرمَى هاهُنا وأشارَ إلى حلقِهِ بسَهْمٍ فأموتَ وأدخلَ الجنَّةَ، فقالَ: إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ فلبثوا قليلًا، ثمَّ نَهَضوا إلى العدوِّ، فأتى بِهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُحمَلُ، قد أصابَهُ سَهْمٌ حيثُ أشارَ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أَهوَ هوَ؟ قالوا: نعَم قالَ: صدقَ اللَّهَ فصدقَهُ "

اختم بهاتين الآيتين وقليل من الحديث حولهما؛ يقول تعالى: " إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (التوبة 40).

كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فقط ومع ذلك قال لأبي بكر حينما حزن خوفاً على النبي صلى الله عليه وسلم " لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " نعم.. أنا وأنت يا أبا بكر الله معنا.

بالمقابل مع سيدنا موسى عليه السلام آلاف من بني إسرائيل وعند ساعة الصفر بين الله تعالى الحوار بين أصحاب موسى وأتباعه والفرق الكبير بينهم وبين صحابي واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول تعالى: " فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ".

نعم هناك قال لا تحزن إن الله معنا، وهنا قال مع موسى الجواب فردي، وإن دل هذا على شيء؛ فإنما يدل على مركز الصحابي والصحابة وحبهم للنبي والمنهج الذي يرشدهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ والثبات عليه مهما كلفهم الأمر.

 

ـــــــــــ

إعلامي كويتي.

توقفنا في المقال السابق عند كلمة "دون" التي كثيرًا ما ذكرت في كتاب الله تعالى، وغالبًا تذكر تصغيرًا بمن ينظر إلى العبد المخلوق نظرة تضاهي الخالق سواء في النداء، أو الدعاء أو التوكل عليه أو التزلف به -الشريك- إلى الله تعالى، وغالبًا ما تذكر كلمة "دون" قبل اسم الجلالة؛ مستثنية كل ما يخطر على بالنا من مخلوقات عظيمة وجليلة، إنها لا يمكن، ولم ولن تكون ندًا لله تعالى، وإن كانت من أقرب المقربين من الله تعالى فهي "دون الله" تعالى بلا استثناء لأحد، والكلمة والعبارة واضحة المقاصد تعبيرًا وبلاغة؛ سواء كان هذا المخلوق ملكاً مقرباً مثل جبريل عليه السلام، أو نبياً مرسلاً عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، أو صالحاً من عبيد الله؛ كالصحابة وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو غيرهم أو من العلماء الأفاضل، أو أي مخلوق، فهم جميعاً يندرجون تحت معنى قول الله تعالى: "دون الله"، كيف لا وهم العبيد المخلوقون لعبادة الخالق؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).

لنتأمل بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف: 194)، ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3)، ويؤكد الله الأصل الصحيح مقابل من يلجأ إلى من هو "دون الله" يقول تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).

لو دققنا في كلمة "دون" لوجدناها تحمل كل الخلائق حينما تسبق اسم الجلالة "دون الله".

واعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس المعني في هذه الآيات الصنم أو الوثن فقط كما يظن البعض ويتوهم، أو كما يدَّعِ ضعاف العقول، إنما المعنى كل ما هو دون الله تعالى من مخلوقات راقية كالملائكة المقربين والأنبياء والرسل كعيسى وعزير وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من عباد الله من الصالحين؛ الذين يتمسح بهم البعض كالصحابة وآل البيت والصالحين مثل التيجاني والبدوي والدسوقي، والملائكة والجن، وغيرهم من مخلوقات أقل شأنًا، ومصنوعات مثل الصليب، الصنم، الضريح، اللات والعزى، وكالكواكب، والنجوم، والشمس وكل من دُعي كما يُدعى الله تعالى، جميعهم "من دون الله"، ودعاؤهم شرك بالله لا شك؛ لأنهم دون الله تعالى، ولا يملكون من أمرهم شيئاً.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "من دون الله" هي مثل قوله: (بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت: 10)، كل ما هو غير الله هو المعني "بدون الله"، وكل ما سوى الله هو غير الله من مخلوقاته، وهم المعنيون بـ"العالمين".

إن هذا التوحيد الذي تقر به اليهود والنصارى وكفار قريش هو توحيد الربوبية فقط، أو ما هو أعظم خللاً كالولد والإنجاب وما شابه، وقد بيَّنه القرآن كما ذكرنا، أما توحيد العبودية أو الألوهية والأسماء والصفات، فمضطرب عندهم، فكان سببًا مباشرًا ومحوريًا لكفرهم وبقائهم في ملة الكفر.

أيضًا، بيَّن الله تعالى في كتابه أنهم وبكل مستوياتهم الكفرية والشركية لا يختلفون عن بعض إلا بالتفاوت الكفري، أما الفكرة الشركية واحدة، أي أن هناك كافراً؛ ويوجد من هو أشد كفرًا منه، مثل العاصي من المسلمين، يوجد من هو أشد منه معصية، وذلك ظاهر في قوله تعالى حيث وحد الله فكرة الشرك، لا عين الشيء الذي تم من خلاله الشرك؛ قال الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: 30).

إذاً، هنا يتضح لنا أن الكفر المعني هو فكرة الدعوة أو الدعاء والعبادة لغير الله تعالى، فهي الشرك المعني؛ وليس عين الشيء الذي تم من خلاله الشرك! فمن ينادي بوذا كالذي ينادي اللات والعزى، وكالذي ينادي الدسوقي أو العدوي، وكالذي ينادي عزير أو المسيح أو العباس، وهذا خلل يضفي صفات الله تعالى على عباد خلقهم لعبادته، وهم من دونه جل وعلا لا شك ولا ريب، أو ادعاء صفات لله ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه وينزه نفسه عنها؛ كالزواج والولادة وما شابه ذلك، نسأل الله السلامة والعفو والعافية، والعقل زينة.

 

 

____________________

إعلامي كويتي.

ذكرنا في المقال السابق أن كفار قريش يعلمون بوجود الله تعالى علمًا حقيقيًا، ويعلمون علوم التوحيد، ويعلمون تمامًا أن الله تعالى هو الذي يدير هذا العالم وهذا الكون بنجومه وكواكبه، وأمطاره وشمسه وقمره، وزرعه وحصاده، وهو سبحانه وتعالى مدبر الأمر كله، وهم يعلمون علم اليقين كفار قريش، ويقرون بذلك.

وأكدنا ذلك من خلال كتاب الله تعالى الذي لا يأتي إلا بالحق، وهو كلام الله تعالى، وذكرنا بعضًا من هذه الآيات الكريمة التي تدل على ما نعرضه، وأن الله تعالى ذكر هذا لتأكيده لا للنظر فيه ومن ثم تخمين الأمر ممكن أم غير ممكن، فكتاب الله يقول الحقيقة لا شك الظاهرة على تصرفاتهم، والحقيقة المكنونة التي يخفونها في صدورهم وعقولهم.

وفي هذه السطور بعون الله وفضله، نكمل بقية الآيات التي تعرضت لذلك، وهي لا شك حجة عليهم من الله تعالى وحجة على ولمن هو من بعدهم إلى قيام الساعة.

وكفار قريش، ومن على شاكلتهم حينها، هم كما الفلاسفة اليوم والباطنيون الزنادقة، يقرون بوجوده وربوبيته تعالى، ولكنهم ينكرون العودة بعد أن يكونوا رفاتاً وعظاماً، وهي نظرة قريبة جدًا من نظرة أدعياء الكذب والزندقة من الفلاسفة الدهرية والباطنيين؛ أدعياء وحدة الروح والاتحاد عودةً إلى مصدرها! فلذلك.. كانت قريش مع جهلها المطبق إلا أنه يطلق عليها في ذلك الحين "العلمانية!".

يقول الله تعالى في كتابه العظيم مبينًا إيمان الكفرة بوجوده، إلا أنهم يجحدون باكتمال وتكامل التوحيد الذي أقره الله لذاته منزهاً ذاته، فأصروا تبجحًا وتقاليد، وتقليدًا للآباء والأجداد بنقصانه جل وعلا العظيم الأعظم، فلذلك جعلهم في هامش الكفر، والخلود في نار جهنم، وإن أقروا بشيء من التوحيد إلا أنه ناقص قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر: 38).

ولا شك كفار قريش، وكل من على شاكلتهم يعلمون أن الله تعالى المحيي والمميت والمدبر للأمور والأرزاق، يعتقدون بذلك كما يعتقد اليهود والنصارى مع الخلل والنقص، ولذلك قال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (يونس: 31).

الله أكبر ولله الحمد

كل ما ذكر في الآيات الكريمة هو معلوم عند كفار قريش وعلى رأسهم أبو جهل، وأبو لهب، وابن سلول، والقرآن العظيم يقر لهم بذلك، والقرآن كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى صفة من صفاته، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الله أكبر، لماذا مع كل هذا الاعتراف والاعتقاد وهم ما زالوا كفارًا؟ لماذا يا ترى؟

قال تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {74} اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {75} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) (الحج).

نعم، ما قدروا الله حق قدره، جعلوا مخلوقاته من عبيده الذين اصطفى ندًا له بالنداء والتوسل والتزلف له!

كيف ما قدروا الله حق قدره؟!

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف: 194).

وحّدوا الله تعالى التوحيد القاصر والناقص؛ فلذلك بقوا على ما هم عليه، ولم يدخلوا الإسلام رغم اعترافهم؛ وبدقة أكثر، اعترافهم فقط بتوحيد الربوبية، ورغم إقرار القرآن العظيم لهم بذلك، فإنهم بقوا خارج دين الإسلام، ومخلدين في النار لكفرهم، وشركهم بالله تعالى، فما ميّزوا بين الله تعالى، وآلهتهم الشركية، الفلسفية، الظنية، كما يدعون، وجعلوها ندًا لله تعالى؛ لنقص في عقولهم، أو تكبرًا وحقدًا أو اتباعًا للآباء والأجداد، أو حسدًا وحقدًا على من يحمل التوحيد الصافي، الذي ينفي علومهم ومعتقداتهم التي توارثوها، أو تعلموها من أسيادهم وكهانهم ومعلميهم.

نعم لأنهم تركوا التكامل في التوحيد، وذلك لخلل أصابهم في توحيد الربوبية أو توحيد الألوهية؛ قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر: 3).

نعم، وهذا الخلل هو الذي صنع اللات والعزة ويغوث وغيرها، وهو الذي صنع قول فرعون: "أنا ربكم الأعلى"، وهو الذي صنع قول الباطنية المتطرفة بوحدة الوجود القائل: "ما في الجبة إلا الله"! وهو الذي صنع "عزير ابن الله"، وهو الذي صنع "المسيح ابن الله"، وهو الذي صنع "ثالث ثلاثة"، وأيضًا هو الذي صنع "شد الرحال لما هو لا دليل عليه"، وهو الذي يصنع ولي الأمر المقدس المعصوم ظاهرًا وضمنًا! الذي بمجرد مخالفته أو نصحه توصم الأمة بالخوارج، وتهدر منها الدماء والأعراض، وهو الذي صنع الروح والإله شيئاً واحداً! فكانت عقيدة الفلاسفة الزنادقة وحدة الوجود، وعدم البعث والخلود كما جاء في الكتاب والسُّنة.

وأيضًا، ماذا قالوا عن أصنامهم وأوثانهم ونصبهم؛ يقول الله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ) (يونس: 18).

هذا ما قالوه بأصنامهم، وهي كلمة وعبارة جامعة تحتها كل أصحاب الخلل (الصوفي الموغل بدعة، ولا نعني المعتدلين منهم، وأيضًا المتوسل بالجن وعابد العقل والمنطق تقديمًا على النص والنقل، جميعهم يدعون الشفاعة بهم أو التزلف إلى الله من خلالهم).

لو دققنا في كلمة "دون" لوجدناها تحمل كل الخلائق المخلوقة حينما تسبق اسم الجلالة "دون الله".

الكلام يطول.. ولكن سنكمله في السطور أو المقالة القادمة بإذن الله تعالى.

يتبع..

 

 

________________________

إعلامي كويتي.

الصفحة 1 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top