أحمد رافع العنزي

أحمد رافع العنزي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 31 أكتوبر 2019 11:32

الاعتدال.. المنهج النبيل

يصعب على النفس غالباً أن تعتدل في أحكامها على الأشياء وفي تعاملاتها مع الناس، إذ العواطف حاكمة في كثير من الأحيان، والعاطفة لا تحتكم إلى العدل في هذه الحالة بل إلى الحب والبغض، إلى الفرح والحزن، إلى النشاط والكسل، إلى الرضا والغضب وغير ذلك، فلا غرابة إن أطلقنا على شخص ما أنه رجل صالح حين نجد أنفسنا راضين عنه، ونفس الشخص نجده أقرب إلى فرعون عند الغضب منه، وهذا ما حصل لليهود في المدينة حين تغير حكمهم على عبدالله بن سلام رضي الله عنه، فبعد أن كان: خيرهم وابن خيرهم وعالمهم وابن عالمهم، أصبح مباشرة بعد أن علموا بإسلامه: شرهم وابن شرهم.

وعين الرضا عن كل عيب كليلة         ولكن عين السخط تبدي المساويا

ومن أجل ذلك رفض الشرع أن يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان، إذ القضاء من أكثر المواطن التي يجب أن يحتكم إلى شرع الله، وفي النوازل يحتاج إلى اجتهاد يبعد فيه عن العاطفة ويسمو بها العقل.

الاعتدال من أنبل المناهج والأخلاق، ففيها يخالف المرء هواه وقلبه، ويسمو بروحه ونفسه، بل إن الاعتدال هو المنهج الرباني الذي أطلقه الله تعالى على هذا الدين حين قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة: 143)، ولو تتبعنا وسطية الإسلام في كل مناحي الحياة لعرفنا عندها أن الدين كله وسط بين غلو وغلو، كثير من هذه الوسطية اليوم صارت أمراً مشتركاً بين الإنسانية كلها وكثير منها انفرد بها هذا الدين العظيم، ولا يسعنا هنا إلا أن نذكر بعض مواطن الاعتدال التي تتعلق في الجوانب التربوية والاجتماعية والأخلاقية.

الاعتدال في التعامل

بين الشرع لنا أن يكون تعاملنا دائماً باعتدال وعدل، وأن نترك الجور والظلم في أحكامنا على الآخرين، لا يعني أن يكون الإنسان سيئاً لكي نتهمه بكل نقيصة، ولا يعني أن يكون العالم فاضلاً حتى لا نخالفه بما نراه خطأ، وليس بغضك لفلان ذريعة أن يجعلك تظلمه وتسيء إليه، يقول الله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، وحين يكون المرء أخاً لك تحبه ولا ترضى عليه فحينها لا بد من نصرته ظالماً كان أو مظلوماً، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لصحابته حين سألوه: ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تأخذ على يده"؛ أي تمنعه من الظلم، وهذا يخالف المنهج الجاهلي الذي رجع إلينا اليوم في كثير من المشاهد، والذي قال أولهم فيه:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم          في النائبات على ما قال برهانا

إن الاعتدال في التعامل مع الآخرين منهج يحتاج إلى مجاهدة وتروّ وتدريب، لا يدعيه المرء بسهولة، من أجل ذلك نهى الشارع أن يقضي المرء لولده أو والده، لأنه يظن أنه قد يحابيه، وكذلك قد يجور عليه كي يدعي أنه لا يحابي فيقع في الظلم.

الاعتدال في تربية الأولاد

كثير من الناس يرون الحق خطاً مستقيماً من شذ عنه قيد أنملة فقط خرج من الحق، والحقيقة أن الحق خلاف ذلك، فهو طريق له حدان لا يخرج المرء من هذين الحدين، ولكن له أريحية في الوقوف أينما أراد داخل الحدين، هذا الأمر ينطبق على كل شيء في هذه الحياة، وكلما كبر الحدان اتسع الحق لأكثر الناس، ولكن مع ذلك يؤسفني أن أقول: إن طريق التربية من أضيق هذه الطرق وحدودها متقاربة وعلى المربي أن يلتزم ما أمكن بين الحدين الضيقين، وكلما خرج عن الحدين وجد قصوراً في تربية أولاده، وهذه الحدود سأذكرها في هذين المثالين:

- لا بد من المربي أن يكون عادلاً في العطايا لأولاده جميعاً، فلا يعطي ابنه أكثر من إخوته وأخواته من دون سبب، ومع ذلك فلا بد من تمييز المتميز بين الأولاد بهدية حتى يجد حماسة لتميزه، ويجد الأولاد رغبة في تقليده، فهذا خط دقيق بين تمييز الولد من دون سبب وبين تمييزه –باعتدال ومن دون مقارنة– حين يستحق التمييز، وقد ثبت في الصحيحين، عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلاً فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: "أكل ولدك نحلت مثله؟"، قال: لا، قال: "اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم"، وقال: "إني لا أشهد على جور"، قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة، ويكفي أن تعلم صعوبة الخيط بين هذا وذاك هو رد فعل إخوة يوسف على نبي الله يعقوب؛ (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ {8}) (يوسف)، وكان من شأن السلف أنهم يعدلون بين أولادهم في القبلة التزاماً لأمر رسول الله "اعدلوا بين أبنائكم"، وأما جواز التفضيل والتمييز لتميز أو لسبب فقد قال ابن قدامة في المغني: "فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه مثل اختصاصه بحاجة أو زمان أو عمى أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم ونحو ذلك من الفضائل أو صرف عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك"

- إن تجاوز الحد في الاهتمام بالطفل ينتج طفلاً مدللاً؛ وبالتالي رجلاً مترفاً غير جاد في حياة غير عابئ بأمر ولا نهي، وقل العكس، فكثرة تقريع الطفل ولومه وعقابه على كل صغيرة وكبيرة ينتج طفلاً غير واثق بنفسه عدوانياً ناقماً تجاه مجتمعه، لا بد من توازن في الاهتمام بالطفل بين مراقبة تصرفاته والتغافل عن بعض أخطائه، والسؤال هنا: ما معيار التوازن بين هذا وهذا؟ لا شك أن السؤال صعب، وقد يكون الأقرب أنه يختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى، من أجل ذلك ذكرنا أن الحق في تربية الأولاد دقيق وتجاوزها من هنا وهنا محتمل وسريع، ولكن لا بأس أن نذكر ضابطاً مهماً يعين الآباء على التوازن في حب أولادهم: الضابط الأول أن الشرع أحب إليه من ولده ونفسه، فكل ما طلبه الولد مخالفاً للشريعة لا بد أن يرفض (وإن كان بطرق سليمة لا بالقرع والتأنيب)، وكل ما فيه مصلحة لدين الولد فلا بد أن يسعى إليه كطلب العلم وإن كان فيه فراق ورحلة، والذهاب إلى المسجد فلا يخشى عليه مثلاً من الشارع، وأصل الضابط قول النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده"، والضابط الثاني هو أن نؤمن أن الموت حق على كل أحد، وأنه لا بد من مفارقة الأبناء، فنحن نربي أبناءنا ليصارعوا الحياة وليواجهوا مصيبات الدنيا لا من أجل أن ينتكسوا عند أول مواجهة ليتم مثلاً، وكذلك العكس فإن الولد قد يموت فلا بد من صبر لهذا الأمر، ولا بد من توازن حتى لا ننتكس عن الصبر في فراقهم، جاءت في وصية جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحبب من شئت فإنك مفارقه".

الاعتدال مع الزوجة

وضع الإسلام منهجاً عظيماً للتعامل فيه مع الزوجة راعى فيه الجانب العقلي والعاطفي والاجتماعي بجملة بسيطة وبحل جميل، استخدم فيها قاعدة إيجاد البدائل والتعايش مع الوضع والإيجابية في النظرة للأمور، كل ذلك في جملة واحدة فصلى الله على من أوتي جوامع الكلم، في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يفرَك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلق رضي منها آخر"، ويفرك بفتح الراء: يبغض، ففي هذه القاعدة راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم البعد العقلي حين أرادنا أن نعمل عقولنا ونعتدل في حكمنا على أزواجنا، فكل إنسان في الدنيا لديه الإيجابيات والسلبيات، ومن أكثر العلاقات حساسية هي علاقة الزوجين، فأرادنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننتبه للجانب الإيجابي في أخلاق الزوجة أو شكلها أو دينها أو غير ذلك من الجوانب المشرقة، ونحاول أن نركز على هذه الأمور، فحري بالقلب أن يحب من يحمل هذه الجوانب المضيئة، وراعى كذلك الجانب العاطفي، فالتركيز على السلبيات يجعل الزوج يبغض زوجته؛ وبالتالي يبغض العيش معها، ولعل العلاقة تؤول إلى الفراق، فأرانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبتعد عن البغض عن طريق نشر الحسنات والرضا بها، وفيها أيضاً بعد اجتماعي عن طريق حماية هذه العلاقة من الطلاق والفراق؛ وبالتالي لعل من يتضرر من الطلاق الأولاد مثلاً أو الأسرتان أو غير ذلك.

ولو التزم الأزواج بهذه القاعدة لقلت حالات الطلاق التي كثرت بشكل كبير في زماننا هذا لأدنى الأسباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وبعد، فما أعظم هذا الدين الداعي إلى الاعتدال في كل جوانب حياتنا، اعتدال في الحماسة بين التهور والجبن، اعتدال في حب رسول الله بين الجفوة والتأليه، اعتدال حتى في العبادة بين الهجر والوصل؛ "عليكم ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا".

 

____________________

(*) رئيس مركز الحياة التربوي.

الإثنين, 21 أكتوبر 2019 17:06

انقد نفسك تتقدم

من الخطأ الشائع بين الناس قول المرء: أنا خبرتي في المجال الفلاني عشر سنوات، يقول ذلك بناء على وجوده في ذلك المجال هذه السنوات العشر، إن مجرد وجود المرء في مكان معين كل هذه السنوات لا تجعله صاحب خبرة في مجاله، تلك السنوات إنما كانت سنة واحدة لمعلم لم يتطور في وسائل التعليم المستخدمة، هي سنة واحدة مكررة لمدير لم تتغير سياسته في شركته طوال السنوات، لا بد للمرء أن يتغير ويتقدم ويتطور، التغيير ليس تهديداً لكيان المرء، بل هو أداة لا بد منها للنجاح.

نقد الذات هو العقبة الرئيسة في طريق التقدم، هو نفسه المحاسبة التي ذكرها أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه في قوله: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"، محاسبة النفس ونقد الذات تجعل المرء يتعلم كيف يكون صادقاً مع نفسه أولاً، ثم تجعله متحفزاً للتغيير، فتجده يتجاوز تلك المثالب التي تعلقت به ويعزز من الفرص والنواحي الإيجابية ليكمل طريقه من دون توقف عند نقطة معينة ومن دون أن يتراجع بعد ملله في تلك النقطة.

نقد الذات يجعل المرء يتقدم عن طريق معرفة قصوره وعلاجها، وهي تختلف عن جلد الذات الذي هو أقرب إلى اليأس والسلبية، نقد الذات هو أن تقول للنفس: إنني من أجل أن أكون متميزاً وأفضل مما أنا عليه لا بد لي من فعل كذا وكذا وترك كذا وكذا، بينما جلد الذات هو أن تحدث نفسك بقول: إنني لن أصل إلى ما أريد بسبب تلك الصفات التي أمتلكها، وتلك الممارسات التي أقوم بها، إنها بصورة رجل يصلي ويعمل المعاصي، فهو بين أن يحدّث نفسه بترك المعاصي لتكون صلاته أكثر قبولاً، وبين أن يحدثها بترك الصلاة إذ لا فائدة منها إن لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، إن بين ذلك فرقاً كبيراً، كما أن بينهما خيطاً دقيقاً، فليحذر المرء في الخلط بينهما، يقول د. عبدالكريم بكار: "نقد الذات يخفف من إعجاب المرء بنفسه ويحفزه على التفوق على ذاته".

يحتاج الإنسان إلى التمرس على نقد الذات وتعويد النفس على ذلك، فيواجه في أول المرء صعوبة لا بد منها، ولكن لا مناص، فطريق التقدم يمر من هنا، فليعود المرء نفسه على نقد ذاته ومحاسبتها وليدخل هذا الطريق مهما يكن وعراً، إنه في هذا الطريق عليه أن يتخلص من بعض الممارسات الخاطئة التي أستطيع أن أسميها الكلاليب التي تكون في طريق ضبط النفس ونقد الذات الموصل إلى التقدم والتغير إلى الأحسن، سأذكرها في هذه المفردات:

1- أول هذه الكلاليب هي الإكثار من نقد الآخرين حتى ينسى المرء أن ينقد ذاته، لقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الخلق الذي يعيق المرء من تقدمه فقال: "يرى أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه"، وهذا الذي فقهه الإمام العالم العامل عبدالله بن المبارك رحمه الله حين قيل له: ما نراك تعيب أحداً؟ فقال: لست عن نفسي راضياً.

لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها           لنفسي في نفسي عن الناس شاغل

ليس من المعقول أن يتمرس المرء في "استخراج" عيوب الناس وأخطائهم ولا يستطيع أن يلحظ عيب نفسه، إلا أن تكون البصيرة قد انغلقت تماماً بسبب كثرة المساس، فيموت الضمير والرادع الذي يجعل المرء ينتبه لنفسه، وهذا الخلق يجعل المرء في مقام "المتتبع" لعورات الآخرين، ومن كان هذا طريقه فيا ويله من فضح الله له وتتبع عوراته.

2- العقبة الثانية التي لا بد لطالب التغيير والتقدم أن يتجنبها هي مقارنة النفس بالآخرين؛ لا ينبغي لمن يحاسب نفسه أن يقول: ما بال فلان وصل إلى تلك المرحلة، وأنا في هذا المستوى؟ إن لكل امرئ ظروفه الخاصة التي تصنع منه شخصيته، وبالتالي فإن مقارنات التفضيل دائماً ما تكون نسبية لا تخضع لمقاييس ثابتة، من أجل ذلك؛ فإن الذي ينقد نفسه لا بد ألا يقارن نفسه إلا بنفسه ذاتها؛ أي أن يقارن نفسه مثلاً: كم أحفظ من القرآن قبل ثلاث سنوات؟ وكم أحفظ اليوم؟ كم أقرأ كتاباً قبل خمس سنوات؟ وكم أقرأ اليوم؟ كم هو المدخر المالي قبل سنة؟ وكم ادخرت هذا العام؟ وهكذا، فالمرء حين يقارن نفسه بنفسه في الماضي فإنه لا بد أن يغير من نفسه حين يرى نفسه تتقدم أو تتراجع القهقهري أو تثبت مكانها، أما حين يقارن نفسه بالآخرين؛ فإنه سيجد لنفسه المبررات التي تمنعه من الوصول إلى مستواه، الآخرون يكونون قدوات لا مقاييس للمقارنات، هذا ما أظنه أصلح للتقدم والتغير الإيجابي.

3- أخطر الكلاليب في ظني وأصعب العقبات للتغيير والتقدم وتجاوز الأخطاء هي الصدق مع النفس في تشخيص المثالب من دون تبرير ولا استدراك، أسهل الأمور هي أن تجد لنفسك مبرراً لفعل الشيء، وأصعبها هي الاعتراف بالخطأ دون تبرير، لكنها أحبها إلى الله وأضبطها على تغيير النفس، في غزوة "تبوك" وجد المنافقون لأنفسهم المبررات الواهية للتخلف عن المعركة؛ فلم يقبل الله تعالى تبريراتهم؛ (لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً) (التوبة: 82)، (ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ) (التوبة: 49)، وحين جاء كعب بن مالك يعتذر عن تخلفه قال بكل وضوح: "يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يُسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك"، هكذا من دون، ولكن ومن دون كنت كذا وكذا، "والله ما كان لي عذر" وزيادة في توضيح اللا عذر بين قدرته وقوته وقتئذ "والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك"؛ فكانت النتيجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أما هذا فقد صدق"، إن رسول الله يوحي إلى الناس أن أصحاب التبرير قد يكذبون وقد يراوغون، إنه يوحي إلينا أن صاحب التبرير غير مصدق عند الناس بخلاف كعب بن مالك الذي وصفه بالصدق، وأمرنا القرآن أن نقتدي به حين حكى بعد ذكر توبة الله عليهم (وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ {119}) (التوبة)، وقد كان من كعب بن مالك رضي الله عنه أن اعترافه بالتقصير والخطأ من دون أي تبرير منه قد نفعه بشكل متميز وجعله لا يكرر هذا الخطأ مرة أخرى، بل وجعله يلتزم بالصدق كل حياته حين رأى أثره المبارك أن ذكره الله تعالى في جملة من تاب عليهم، فقد ذكر كعب في حديثه أنه قال: "يا رسول الله، إِن الله تَعَالىَ إِنَّما أَنْجَانِي بالصِّدْقِ، وَإِنْ مِنْ تَوْبَتي أَن لا أُحدِّثَ إِلاَّ صِدْقاً ما بَقِيتُ"، إن التبرير خدعة للضمير، يريد المرء أن يرضي ضميره ويشرعن خطأه وقصوره فيبرر لنفسه حاله ومقامه: أنا لا أحفظ القرآن بسبب الزواج والأولاد،  سبب الدراسة، بسبب الظروف.. أنا لا أستطيع طلب العلم بسبب قلة المال، أنا لم أتفوق في دراستي لأن المعلم لا يعطيني حقي..

إذا كان يؤذيك حر المصيف         وكرب الخريف وبرد الشتا

ويلهيك حسن زمان الربيع            فأخذك للعلم قل لي متى؟

لا بد من المرء أن يتخلى عن التبرير وليعترف في التقصير كأول خطوة من خطوات التغيير، وليكن اعترافه من غير "ولكن"؛ حتى يعرف الأمور مجردة على حقيقتها من أجل التقدم والتطوير، وإن في ذلك صعوبة على النفس، ولكن مع التدريب والتدرج يصل المرء إلى مرحلة لا بأس بها، وقد ذكرت أنه أصعب العقبات لأنه أسهل الأمور ذكراً وأرضاها للضمير، ما أسهل أن يقول الرماة في أحد: "إن المعركة قد انتهت، فمن أجل ذلك نزلنا ولا يحملون أنفسهم تبعات ذلك الفعل"، لكن الله تعالى قد ذكر أنهم غير معذورين في خطئهم، فمن أجل ذلك عذرهم وعفا عنهم؛ (حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ) (آل عمران)، ولما تخلف الأعراب عن رسول الله حين ذهب إلى العمرة برروا ذلك ففضحهم الله تعالى أن ما قالوه غير ما أبطنوه، فقد كان تبريراً أرادوا أن يرضوا أنفسهم فيه (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (الفتح)، فكم من داعية اليوم يبرر تخلفه عن ركب الدعوة بقوله: "شغلتنا أموالنا وأهلونا"؟

هذه العقبات وغيرها لا بد أن تكون في طريق أي ناجح أراد أن يتغير ويتطور في دنياه وآخرته، نجدها جلية في قاتل المائة نفس حين أراد أن يتغير، فلم يبرر ذنوبه بأن قومه أهل فسق بل أراد أن يتوب وبحث عمن يدله، فلما وجد عقبة العابد لم ييأس ويبرر إجرامه بعدم التوبة له بل بحث مرة أخرى، فلما عرف أن طريق التوبة في ترك أهل المعاصي لم ينتقدهم ويذكر أنهم السبب بل انطلق إلى قوم يعبدون الله ليعبد الله معهم، فلما توفي كانت المقارنة بين نفسه في الماضي وفي المستقبل (القاتل أو التائب) فكانت ملائكة الرحمة أقرب إليه بتوفيق الله، وهكذا لا بد للمرء من نقد نفسه كي يمضي في طريق كل يوم يجد فيه جديداً ونشاطاً مختلفاً، وتذكر أن الله تعالى قد أقسم بالنفس اللوامة ولا يقسم الله إلا بعظيم فقال تعالى: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ {2}) (القيامة)، قال مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه.

كيف تغرس نقد الذات في الطفل؟

إن عملية نقد الذات هي في الأصل الرجوع عن الخطأ والتوبة من الذنب أو دعم الخير وتعزيز الإيجابية، وكلما صغر سن المرء كان التعود على نقد الذات أسهل وأيسر، وكلما كبر صعب على المرء أن يعترف بخطئه، لذلك فإن على الأبوين أن يغرسا في الطفل نقد الذات بطرق متميزة لعل من أهم هذه الطرق:

- لا تقرع طفلك حين يخطئ، ولا تكن الإدانة للطفل بل الإدانة للخطأ فقط، إنه بذلك يدرك الفرق بين ذاته وسلوكه القابل للتغيير.

- ليكن هناك حوار مع طفلك حين يكون هناك خطأ قد بدر منه، ليشعر بالأمان حين يتحدث إلى الوالدين، وليشعر بإمكانية المناقشة في التصرفات وبحرية التعبير.

- لا بد من تشجيع الصغار على الاعتراف بالخطأ في دعمه وشكره إن اعتذر وتعويده لفظة "آسف"، و"أعتذر" وغيرها، إن التعود على الاعتذار من الآخرين دون تبرير للخطأ سيجعل الطفل يعتذر من نفسه من باب أولى.

- لا بد من أن تكون العقوبة غير شديدة حين يعترف الطفل بالخطأ حتى لا يضطر للكذب تجنباً للعقاب، وحبذا حين يكون الخطأ بسيطاً أن يعد الوالد طفله إن اعترف أن يعفو عنه ويلتزم بذلك ليشعر الطفل بالأمان عند الصدق.

إن هذه الوسائل حين يتعود ويتربى الطفل عليها فإنه سيكبر محترماً لذاته صادقاً مع نفسه معتذراً عن الخطأ لنفسه وللآخرين محارباً للتبرير الذي يشوه الاعتذار.

ختاماً.. لا بد ألا يتعدى نقد الذات الحد بحيث يلغي المرء تقديره الذاتي الذي يرفع من مستوى العطاء والإبداع أكثر وأكثر، ولعل موضوع التقدير الذاتي يحتاج إلى كلام مطول، ولكني أتركه هنا خشية الإطالة فهو موضوع مختلف وطويل.

الثلاثاء, 01 أكتوبر 2019 14:09

التربية بالقرص

في صلاة الفجر في أحد أيام رمضان في طيبة الطيبة صلى أمامي رجل مع ولده ذي الأربع سنين تقريباً، قبل أن يكبّر الوالد ومن أجل أن يضمن صلاة ولده قرصه قرصة ظل الولد ماسكاً ظهره طوال الركعة الأولى.

وأستغفر الله أن سهوت عن هذه الركعة كاملة وأنا أفكر ما هي المشاعر التي يحملها الطفل في هذه اللحظة تجاه الصلاة ووالده؟ خوف من أبيه وكراهية للصلاة؟

من تسبب بهذه المشاعر لو جاءت للطفل، ولا يستغرب أن تأتي بعد تلك القرصة؟ هل سيستمر هذا الشعور مع هذا الطفل حتى يكبر؟

لا أنسى أبداً حين كنت طفلاً وكنا على سفر مع الوالد لما دخلنا مسجداً لنصلي فكنت في الصف الأول، فجاءني رجل وأرجعني إلى الصف الثاني ولما يكتمل الأول، تنبه الإمام لهذا الأمر وأمر أن أرجع إلى الصف الأول، لا أنسى تلك المشاعر المملوءة بالانتصار على ذلك الرجل الكبير الذي أرجعني وشعرت بضيق في داخلي عندها، ولكن سرعان ما تحول الضيق إلى سعادة بأمر الإمام جزاه عني خيراً.

الحلول السريعة

إن كثيراً من الناس يرتاحون إلى تلك الحلول السريعة ذات النتائج القريبة ولا ينظر إلى آثار هذه الحلول مستقبلاً، وهذا مطرد في كل مجالات الحياة.

المريض يريد ذلك المسكن ذا المضاعفات المستقبلية لا بأس المهم أن أرتاح الآن، ومن أراد جسماً رياضياً عدل عن الحمية والرياضة بالحبوب التي يروجها التجار.. والأم لكي يهدأ ولدها تلهيه بما يضره من إعطائه الهاتف بشكل مستمر دون إدراكها لخطر إدمان الهاتف في عقل الولد.. وهكذا، لا يريد أحد الصبر لقطف نتائج متميزة على المدى البعيد، إنما أرادوا الحلول السريعة، النتائج الآنية، ولعل هذا سبب ما نرى من تقاعس الكثير عن العبادة، فلا شك أن كل مسلم مؤمن باليوم الآخر وبالجنة والنار، فما الذي يؤخرهم عن الصلوات والاجتهاد في العبادة (إنهم يرونه بعيداً، ونراه قريباً).. هذا ما حصل لصاحبنا الذي أراد ذلك المسكن المؤقت لعدم حركة ولده أو الإزعاج البسيط الذي -قد- يصدر من هذا الطفل فقرصه كي يخاف من أي عمل ويظل ساكناً جانب أبيه، ثم قد يخشى أن يصير مستقبلاً نافراً من العبادة متكاسلاً عن أدائها، ولا يدري أبوه ما الحل في صلاح الولد متمتماً "تربية الأبناء مهمة صعبة"!

صدقت، هي مهمة صعبة ولم تفلح أيها الغالي بتلك المهمة حيث استبدلت بها المسكنات المؤقتة دوماً.

الرسول المربي صلى الله عليه وسلم

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل السجود في صلاة جماعية يكون هو الإمام فيها بسبب أن أحد الحسنين رضي الله عنهما ركب على ظهره فأحب أن ينتهي من لعبه وينزل.. ولما كان يخطب ينظر للحسنين فينزل من خطبته ويأخذهما قائلاً: صدق الله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) رأيت هذين فلم أصبر.

بالله عليكم أي شعور يشعران به سيدا شباب أهل الجنة حين يكبرون ويتذكرون هذه المواقف؟ أي نشوة تسيطر عليهم؟ أي حماسة تعتريهم؟ أي إيمان يزداد في نفوسهم؟

لم يضرب محمد صلى الله عليه وسلم في حياته لا طفلاً ولا كبيراً إلا ما كان في جهاد الأعداء، وحين تحدث عن الصلاة وتعويدها للطفل قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر"، فالأمر والتعويد من سن السبع سنين لا كما فعل صاحبنا مع ابنه الذي هو قطعاً دون الخمس، وإن حصل واصطحب ولده معه للصلاة دون السبع فحسن وخير، ولكن حين يقرصه تلك القرصة فهذا في نظري إجرام في حق ذلك الطفل.. ولا يأتي الضرب التأديبي للطفل إلا بعد أربع سنوات من التعليم والأمر بالصلاة، فإن لم يتعود الطفل بعد أربع سنوات فهذا لا شك أنه قد احتاج إلى القسوة؛ إذ إن الأمر ليس بالطبيعي، ولكن بعد أمر وتعويد أربع سنين.

نماذج رائعة

سمعت عن أحد الشيوخ كان يضع في جيبه حلوى، فإذا صلى في الصف الأول وبجانبه طفل قال له: أعطيك حلوى بشرط أن ترجع للصف الثاني، ما رأيك؟

وانتشر هذا العرض عن ذلك الشيخ وصار الأطفال يتعمدون أن يصلوا بجانبه لينالوا الحلوى فيرجعوا إلى الخلف ويفسحوا الصف الأول للكبار.

إن هذا الأسلوب التربوي المحبب للصلاة والمسجد يترك أثراً طيباً في نفوس الأطفال يمتد أمداً بعيداً، على الرغم من مسألة عرض الصف الثاني لمن حرص على الصف الأول ففي النفس منها شيء.

هذا ما نحتاجه اليوم في تعليم أولادنا الصلاة بالحب والترغيب، لا كما نرى من البعض من انزعاج لوجود بعض الأطفال إذا أصدروا صوتاً ثم تحول الانزعاج إلى غضب على الطفل أو إسكات بطريقة فظة، بل ويصل الأمر من البعض إلى طرد الطفل من المسجد! لا شك أن على الأب أن يحرص إن كان ولده لا يدرك شيئاً أو كان يزعج المصلين ألا يجلبه معه، أما وإن حضر فالصبر عليه أولى من بيان الانزعاج منه له بتصرفات غير مسؤولة، فالطفل ينتبه لتلك التصرفات وتعلق في الذاكرة طويلاً.

الصلاة صلة بين العبد وربه، وحين نسمع عن صلوات بعض السلف التي يطيلها أو يتلذذ بها ويتمتع ثم نرى أحدنا بالكاد يصلي الخمس بثقل وتكاسل، سندرك حينها أن ثمة عوامل أثرت في نفسياتنا، ولا أشك أن طريقة الترغيب للصلاة يوماً ما هي أحد العوامل التي تجعلنا نُحرم من التلذذ بالصلاة.

فاتقوا الله في أولادكم، علموهم بحب، وتلذذوا في تربيتهم لا سيما على الصلاة تقطفوا الثمار اليانعة مستقبلاً بإذن الله.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

للتواصل:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top