د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ذكرنا في المقال السابق أهمية الرجوع إلى أهل الاختصاص في كل مجال من مجالات الحياة، فهم أدرى الناس بمجالهم، وكما يقولون: "أهل مكة أدرى بشعابها" دلالة على ضرورة احترام التخصص.

وذكرنا فيها أن القاضي الشيخ أحمد الخميس أحال العم "أبو أحمد" وهو تاجر لقطع غيار السيارات وأحد المشترين المماطلين الذين تعاملوا معه والذي استغل طيبته وأنكر ما عليه من فواتير إلى لجنة التحكيم التجاري وهي مكونة من ثلاثة من تجار الكويت المشهود لهم بالنزاهة والاستقامة والخبرة التجارية فضلاً عن الحضور الاجتماعي ومعرفة شرائح المجتمع؛ وهم حمد عبدالمحسن المشاري رحمه الله، ومشعان خضير المشعان رحمه الله، وسيد علي سيد سليمان الرفاعي رحمه الله.

وفعلاً حضر المتخاصمان إلى أحد التجار المشهورين في مجال قطع الغيار وهو حمد الصالح الحميضي رحمه الله الذي طلب بدوره من البائع إثباتاته، فقد قدم له كافة فواتيره المفصلة التي لم يلزم بها الشاري بالتوقيع بالاستلام، فلما سأله: يا عم "بوأحمد"، ولماذا لم تقم بذلك؟ فقال على الفور: كنا نطلب من الأجانب التوقيع بالاستلام لضمان حقوقنا معهم، أما الكويتيون فكان بيننا الثقة فيهم، ولكن قدر الله أن يشذ منهم هذا الشاري، وقد كنا نمهله حتى بلغ مجموع المبلغ المستحق عليه عشرين ألف روبية، وفعلاً لعل لكل قاعدة شواذ.

فلما اطلع التاجر حمد الصالح الحميضي على الفواتير وجدها صحيحة ودقيقة من حيث تعبيرها عن الأسعار الواقعية في السوق، واستمع إلى حجة الشاري المماطل فوجدها واهية ولا حجة فيها ولا برهان.

فسأل البائع: هل ترضى بحكمي الذي سأشير به إلى حضرة القاضي؟ فرد العم بو أحمد وبلا تردد: "نعم"؛ ليقينه بحقه وعلمه بعدالة ونزاهة لجان التحكيم التي لولاها لما تم اختيارهم فيها من قبل رجال القضاء.

ثم التفت إلى الشاري المماطل في الدفع ليسأله: هل ترضى بحكمي؟ فأجاب الشاري: نعم ولا أريد غير ذلك، آملاً فيما يبدو بالتعاطف معه.

فكتب فيها رأيه وأودعه في مظروف مغلق موجه بشكل مباشر إلى حضرة القاضي، وقال: خذا هذا الخطاب إلى القاضي.

وهكذا كانت الإجراءات مبسطة سريعة فورية حاسمة، ثم عادا إلى الفور إلى المحكمة فسلماه باليد إلى الشيخ أحمد الخميس، والذي بدوره سأل الطرفين قبل أن يفتح الظرف عن مدى رضاهما بحكم الخبير (عضو اللجنة) فقالا كل منهما: نعم، وزاد الشاري: لا أريد إلا رأي هذا التاجر!

فلما فتح الشيخ أحمد الخميس الظرف وقرأ الخطاب وجه خطابه إلى الشاري المماطل في الدفع قائلاً: الآن تكتب شيكاً بعشرين ألف روبية لصالح البائع، فلما كتب الشاري الشيك – وعلى مضض - كتب تاريخه بعد شهرين في إمعان بالمماطلة وإمكانية سحب الرصيد، فانتبه الشيخ أحمد الخميس لهذه الحركة غير المستحسنة، فقال له: اجعل التاريخ الآن، وستبقى معي في المحكمة حتى يذهب البائع إلى البنك لصرف الشيك ويعود إليّ ليخبرني هل تم صرفه أم لا، باعتباره فيما يبدو كان يخشى أن يكون شيكاً دون رصيد، وكان قد هدد الشاري بأن يحجزه في الحبس إذا لم يلتزم بتوجيهاته.

وفعلاً ما كانت إلا فترة زمنية ليست بالطويلة ذهب فيها البائع وأودع الشيك واستلم حقه ونقله إلى حسابه ثم حضر إلى القاضي الشيخ أحمد الخميس ليبلغه بذلك فأفرج عن الشاري المماطل في الدفع.

وهكذا يبرز هذا الموقف المرجعية الفنية المتخصصة التي وفرها التاجر الكويتي للقاضي من حيث تقدير التخصص والخبرة وإعمالها في ترشيد الأحكام القضائية، سيما وأنها تصدر من الرجالات الثقات.

WWW.ajkharafi.com

إن مفهوم أهل الذكر الوارد في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، لا يقتصر فقط على المرجعية الدينية التي أمر الله سبحانه وتعالى بها في شؤون الدين، بل ينبغي فهمها بشكل عام لتشمل جميع مناحي الحياة حين يكون تقدير التخصص واحترام رأي المتخصصين هو المرجعية الحاسمة في مجالها.

فالطبيب هو صاحب الرأي الحاسم في تطبيب المرض، والقاضي هو صاحب الرأي الحاكم فيما اختلف فيه الخصوم، والمهندس المدني هو صاحب الرأي المطاع في شؤون البناء والإنشاء.. إلخ، وهكذا يحسم الرأي صاحبه ويكون هو المقصود بأهل الذكر في مجاله، ولعل ما يسعف هذا الفهم هو القاعدة الأصولية أن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم.

أما الموقف الذي نعرضه في هذا السياق فهو موقف حاسم حسم فيه كل من التاجر حمد الصالح الحميضي، والشيخ أحمد الخميس موقفاً تجارياً يعتبر وأمثاله دستوراً أشبه بأحد أحكام التمييز في يومنا هذا والتي تؤصل لسوابق قانونية يقيس عليها القضاة أحكامهم.

تبدأ القصة حين كان الإخوة يعملون بجد واستقامة في مجال قطع السيارات، ويتعاملون بكل ثقة مع التجار المتعاملين معهم بحيث يتساهلون في تسليمهم البضائع من قطع الغيار وبكميات كبيرة بسعر الجملة بحيث يبيعونها بالسعر المناسب بالسعر المفرق الذي يجنون من خلاله الربح المناسب والمقبول في مجاله ثم يستوفون حقهم من هؤلاء التجار على سعة من الأمر.

غير أن أحد الذي تعاملوا معهم استغل طيبتهم وأنكر ما عليه من فواتير عدى "كماشة" لا يعدو سعرها الثمين الزهيد!

وليته لم يفعل لأنه اختزل البضائع التي تفوق قيمتها 20 ألف روبية - وكان ذلك يعتبر آنذاك مبلغاً كبيراً من المال - في كماشة الأمر الذي يبعث على السخرية والتندر.

فما كان من أحد الإخوة وهو العم "بو أحمد" إلا أن يشتكيه لدى القضاء بعد أن نفد صبره وطال انتظاره فطلب الشاري المماطل في الدفع من القاضي الشيخ أحمد الخميس أن يحيله إلى لجان التحكيم التجاري، فهي المتخصصة باعتبارها تتكون من ثلاثة أشخاص في العادة، ويكونون من ذوي الخبرة والباع الطويل في العمل التجاري وممارسته، وبالتالي يمثلون لجنة التحكيم التجاري بين المتخاصمين في المسائل التجارية، وذلك باعتبار أن القاضي لا خبرة له في المسائل التجارية بحكم طبيعة عمله وارتباطاته.

فأحالهما القاضي الشيخ أحمد الخميس على لجنة التحكيم التجاري وهي مكونة من ثلاثة من تجار الكويت المشهود لهم بالنزاهة والاستقامة والخبرة التجارية فضلاً عن الحضور الاجتماعي ومعرفة شرائح المجتمع؛ وهم حمد عبدالمحسن المشاري رحمه الله، ومشعان خضير المشعان رحمه الله، وسيد علي سيد سليمان الرفاعي رحمه الله.

ورغم أن الشاري المماطل في الدفع هو الذي طلب من القاضي الشيخ أحمد الخميس إحالته إلى لجنة التحكيم، مؤكداً "أنني لا أريد سواهم حكماً"، لكنه سرعان ما غير رأيه قائلاً: أرجو إحالتنا إلى تجار متخصصين في مجال قطع غيار السيارات باعتبار أن المسألة مختصة بقطع الغيار، وفعلاً كان له ذلك، وأطال القاضي الشيخ أحمد الخميس نفسه معه ليصل معه إلى آخر المشوار ساعياً إلى الحق أينما كان، وليكون الرأي الذي يتم اتخاذه صحيحاً ولا سبيل لأحدٍ إلى التشكيك فيه، وهذا ما يقابل في أيامنا هذه إدارة الخبراء حيث تتوافر الخبرة في المجال التجاري (المحاسبي)، والمجال الهندسي من أجل الإفادة الفنية لهيئة المحكمة فيستنير بها القاضي ويطمئن إلى حكمه بالعدل.

يستكمل في المقال القادم بإذن الله.

WWW.ajkharafi.com

إن الصبر عند المصائب والمحن من سمات المؤمن الحقيقي، فهو يعلم أن كل شيء يصيبه من تقدير المولى سبحانه وتعالى، والمؤمن الصابر المحتسب يعلم يقيناً ما أعده الله سبحانه وتعالى من جزاء حسن وبشرى طيبة لعباده الصابرين، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156}﴾ (البقرة)، وتوضح الآيات الكريمة أن البلاء اختبار من الخالق سبحانه وتعالى للعبد المؤمن في النفس أو المال أو الأهل، والبشرى للصابرين المسترجعين المحتسبين والراضين بقضاء الله، منتظرين ما أعده الله سبحانه وتعالى لهم.

وقد ضرب أهل الكويت وتجارها الفضلاء القدوة الحسنة والنماذج الطيبة في الصبر والاحتساب عند المصائب، وتوضح هذه القصة الواقعية الواردة في سلسلة "محسنون من بلدي" (مستشار التحرير د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي) ج 1 ص 17 – 20، مثالاً ونموذجاً لبطلها التاجر إبراهيم مضف المضف، وكان أحد التجار المعروفين بالشهامة والرجولة في عصره، كما عرف عنه الجود والكرم والصبر عند المصائب والشدائد.

أسند حكام الكويت إلى التاجر إبراهيم مضف المضف مهمة الفصل في الخلافات التي قد تنشأ بين العاملين في البحر من الغواصين والملاحين والربابنة، وكان ذلك شرفاً عظيماً يؤكد رجاحة عقله ومكانته في المجتمع، واستطاع أن يصرف أمور هذه المهمة بمفرده، فينصرف الخصمان وكل منهما راضٍ بما حكم ثقة فيه واعتقاداً بنزاهته حتى قال حاكم الكويت آنذاك الشيخ جابر المبارك رحمه الله: "إننا نعجب أن الخصمين ينصرفان معاً وأحدهما راض والآخر ساخط، إلا أنك يا إبراهيم ينصرف الخصمان منك وهما راضيان بما حكمت..!" (من كتاب خالد سعود الزيد، "سير وتراجم خليجية في المجلات الكويتية"، الطبعة الأولى، ص 81).

وهذه الشهادة العالية كافية بأن تعرف مقام هذا المصلح لدى أمراء البلاد ومواطنيه في وقته.

واشتهر مجلس إبراهيم المضف باستقبال عابري السبيل المارين بالكويت أو القادمين إليها حيث يجدون كرم الضيافة، وحسن المقام، ويجدون حاجتهم دون اللجوء إلى مذلة السؤال، فكان ينفق على الفقراء والمحتاجين في السر والعلانية، وكان مجلسه يضم أهل الصلاح والتقوى من شعب الكويت.

كما عرف إبراهيم المضف بالصبر والجلد عند الشدائد بدافع إيمانه بالله تعالى، فعندما جاء نبأ غرق ولده عبداللطيف وحفيدين له؛ تحلى بالإيمان ولم يجزع من قضاء الله، وأيضاً عندما استشهد أولاده مضف وعثمان في معركة الصريف مارس 1901م ثم استشهد أخوهما مهلهل.

لقد كان إبراهيم المضف في كل مصيبة من هذه المصائب العظمى الثلاث يستقبل المعزين بوجه لا أثر للحزن فيه، وبابتسامة تعبر عن ثقة المؤمن الموقن بأن المصائب لا حول لأحد في دفعها، فخير للمرء أن يصبر ويحتسب فيؤجر من الله سبحانه وتعالى الذي بشر الصابرين المحتسبين بالجزاء والأجر العظيم.

وقد كشفت قصة التاجر إبراهيم مضف المضف أوجه الكرم والجود المتأصلة عند أهل الكويت الطيبين وعند تجارها الكرماء، كما كشفت الجانب الإيماني والوازع الديني والذي يتجلى في صبرهم عند المصائب واحتسابهم الأجر والثواب من رب العالمين.

WWW.ajkharafi.com

 

لقد أمرنا ديننا الإسلامي الحنيف بالاجتهاد والجد والمثابرة، والسعي على الرزق مهما كانت الظروف، ولا بد للمسلم أن يكون طموحاً للأفضل ومتفوقاً في حياته، كما أن الاعتماد على الكسب الحلال كما سنَّ الله عز وجل مجلبة للرزق، وسبباً في وجود البركة، ولا مجال في ديننا الإسلامي الحنيف لأي كسول أو متواكل أو مهمل، فعلى المسلم أن يكون طموحاً مثابراً معتمداً على نفسه في كسب قوته من عمل يده، فالحياة لا تكون أبداً لكسول، ولا يرتفع شأن إلا كل صاحب همة ونشاط وتميز. 

وقد كان التاجر والنوخذة عبدالعزيز بن عثمان رحمه الله مثالاً ونموذجاً يحتذى به في الطموح والكفاح من أجل النجاح وبناء الذات، وقد أصر منذ بداية حياته العملية على أن يكون بحاراً، فبالرغم من حداثة سنه، وعدم توافر خبرات سابقة لديه، فإنه تعلم فنون الملاحة البحرية وأبدع فيها خلال وقت قصير.

وبعد مضي عدة سنوات قضاها الشاب عبدالعزيز بن عثمان ملاحاً على بعض السفن الشراعية مع النوخذة محمد المسجري، ثم مع النوخذة عبدالرحمن العبدالجادر، استطاع أن يأخذ الخبرة الكافية، وبفضل طموحه وتطلعه لمستقبل أفضل وعصاميته في بناء ذاته، استطاع أيضاً أن يصنع عدة سفن وقادها بنفسه، واشترى سفناً أخرى أيضاً ليكمل أسطوله البحري، كما أصر على تعليم أبناء عائلته جميعاً أصول الملاحة والقيادة ليعتمد عليهم في قيادة هذا الأسطول البحري الذي كوّنه معتمداً على المولى سبحانه وتعالى ثم على خبرته وعزيمته ورغبته في التفوق والنجاح.

ومن اللطيف بل من العجيب ذلك العزم وهذا الإصرار على النجاح الذي تجسده هذه القصة الواقعية التي وردت في كتابي "عائلة العثمان: مدرسة السفر الشراعي في الكويت" ص 122 – 123.

للنوخذة عبدالعزيز بن عثمان رحمه الله، فقد ركب البحر متعلماً ومنتبهاً لفنونه وهو عازم على الريادة في مجال صناعة السفن وركوب البحر، ولما طلب منه أهله أن يتزوج ويستقر - إذ لا تعارض بين العمل والزواج – قال كلمته المشهورة: "لن أتزوج حتى أربط "البري"؛ وهو حبل يربط بمؤخرة السفينة، ويثبت بوتد على الأرض من خلفها حتى لا يتحرك مع ارتفاع ماء المد، وفي كلمته هذه كناية عن رغبته في امتلاك سفينة خاصة به؛ الأمر الذي يدل على علو الهمة وشدة العزيمة والاعتماد على النفس وكثير من المعاني السامية.

ومن الألطف والأعجب من ذلك أنه عندما امتلك السفينة عرض عليه الأهل والأحباب الزواج مرة أخرى، ولم يكن قد امتلك حينها البيت الذي يسكن فيه، فأجابهم بكلمة معبرة قائلاً: "ليس قبل أن يكون لي قبر في هذه الأرض"، ومعنى القبر هنا أنه المكان الوحيد الذي لا ينازعه فيه أحد، فكذلك البيت الملك؛ مما يدل على عزة النفس وعصاميتها، فلم يتزوج المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان حتى امتلك السفينة "مساعد"، وأسس البيت عام 1885م تقريباً، وكان ذلك هو تاريخ بداية تأسيس فريج العثمان بمنطقة القبلة.

وهكذا ضرب النوخذة عبدالعزيز بن عثمان رحمه الله نموذجاً يحتذى به من الطموح والاعتماد على النفس وبذل الأسباب في سبيل الوصول إلى النجاح، وهكذا كان أهل الكويت من أبناء هذا الجيل المبارك، امتلأت نفوسهم بالجد والأمل فاجتهدوا وثابروا من أجل تحقيق الطموحات والأهداف، وتوكلوا على الله سبحانه وتعالى وبذلوا الأسباب، وبادروا واجتهدوا، فكان النجاح حليفهم، والتوفيق من الله نصيبهم، رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

WWW.ajkharafi.com

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top