15 يوماً تحسم مصير "آيا صوفيا".. يعود مسجداً أم يبقى متحفاً تركياً؟

09:02 04 يوليو 2020 الكاتب :   يوسف أحمد

انتهت، الخميس 2 يوليو 2020، جلسة القضاء التركي المخصصة لبحث طلب تحويل "متحف" آيا صوفيا إلى "مسجد"، وبرغم توقع توصل القضاة إلى قرار نهائي بخصوص مصير "آيا صوفيا"، فقد أعلن القضاة الأتراك أنهم سيصدرون القرار النهائي حول القضية خلال 15 يوماً.

وفي مايو الماضي، احتفلت تركيا بالذكرى 567 لفتح القسطنطينية التي فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453م، وذلك بقراءة القرآن الكريم من مسجد ومتحف آيا صوفيا، وتُليت سورة "الفتح" وسط احتفاء جماهيري واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وبحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن بعد عبر الإنترنت.

في يونيو الماضي، رفض البرلمان التركي مشروع قانون يسعى لتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، رغم حماس أردوغان لهذه الخطوة.

وبنيت كاتدرائية "آيا صوفيا" في القرن السادس عند مدخل مضيق البوسفور في إسطنبول، وكانت محطةً لتتويج الأباطرة البيزنطيين قبل تحويلها إلى مسجد في القرن الخامس عشر بعدما فتح العثمانيون عام 1453م المدينة التي كانت تعرف بالقسطنطينية.

وكانت "آيا صوفيا" مركزاً للمسيحية الأرثوذكسية حتى عام 1453م، عندما فتح الأتراك العثمانيون المدينة تحت حكم السلطان محمد الثاني، المعروف باسم "الفاتح"، وبعد 916 عامًا من الخدمة ككنيسة، تحولت إلى مسجد جامع يرمز للنصر والفتح.

وحافظ العثمانيون على فسيفساء الكنيسة المميز، مع تغطية الرسوم والأيقونات المسيحية بالجبس، لكنها ظهرت من جديد بعد ترميم الكنيسة في القرن العشرين، وتحويل المكان لمتحف.

ويعد قبر سليم الثاني أول قبر سلطاني في آيا صوفيا (تضم كذلك 43 قبرًا لسلاطين وزوجاتهم وأمراء)، وفي عام 1739، أضيفت مدرسة ومكتبة ومطبخ إلى المسجد، وبعد إغلاقها عامين (1847-1849)، افتُتحت "آيا صوفيا" بوصفها مسجدًا للمرة الأخيرة في عام 1849.

وبحلول عام 1934، تغيّر دور آيا صوفيا مرة أخرى بعد 12 عامًا من تأسيس الجمهورية التركية، إذ وقّع مصطفى كمال أتاتورك قرارًا حوّل بموجبه آيا صوفيا إلى متحف.

اعتراض أمريكي وأرثوذكسي

وقبيل يوم واحد من القرار القضائي للبت في طلب تحويل "آيا صوفيا" من صفته كـ"متحف" إلى صفته السابقة كـ"مسجد"، حث وزير الخارجية الأمريكي تركيا على "الحفاظ على آيا صوفيا كمتحف، بوصفه تجسيداً لالتزامها باحترام التقاليد الدينية والتاريخ الغني".

وكتب بومبيو: "نحث السلطات التركية على أن تواصل الحفاظ على آيا صوفيا كمتحف، بوصفه تجسيداً لالتزامها باحترام التقاليد الدينية والتاريخ الغني، الذين ساهموا في بناء الجمهورية التركية، وأتاحوا لها أن تبقى منفتحة على الجميع".

أيضاً قال الزعيم الروحي للمسيحيين الأرثوذكس في العالم: إن تحويل كنيسة آيا صوفيا التي ترجع للقرن السادس إلى مسجد مرة أخرى "سيثير الانقسام".

وقال البطريرك المسكوني بارثولوميو، وهو الزعيم الروحي لنحو 300 مليون مسيحي أرثوذكسي في العالم، الذي يتخذ من إسطنبول مقراً له: "إن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد سيثير غضب ملايين المسيحيين حول العالم".

عاد الجدل حول فتح مسجد "آيا صوفيا" التاريخي بمدينة إسطنبول للصلاة بعدما أدى آلاف الأتراك صلاة الفجر، في ذكري فتح القسطنطينية، في ساحته وهتفوا مطالبين بفتح للصلاة بشكل منتظم محتجين على قانون يعود إلى عام 1934 يمنع إقامة شعائر دينية في هذا المتحف الذي كان كنيسة ثم مسجداً فيما مضى.

"آيا صوفيا" كنيسة

ظلّ مبنى "أيا صوفيا" كنيسة على مدار 1093 عاماً منذ عام بنائه الأول 360م حتى فتح المسلمون القسطنطينية، وحول السلطان محمد الفاتح المبنى إلى مسجد عام 1453م، ويؤرخ البعض لتاريخها المسيحي منذ افتتاح المبنى الحالي الأخير (بعد تعرض القديم للهدم والحرق مرتين) عام 537م، ولهذا يعتبر أن تاريخ بقاؤها مسيحية هو 916 عامًا.

فقد تعرض البناء للحرق والهدم مرتين وأعيد بناؤه مرة أخرى، ففي عام 404م احترق خلال إحدى حركات التمرد، ولم يبقَ منه شيء، وأعاد الإمبراطور تيودوروس الثاني بناءه مرة أخرى عام 415م، والمرة الثانية احترق تماماً عام 532م، إثر ما يسمى "ثورة نيكا" عام 532م، وبعدما أيضاً قرر الإمبراطور جوستنيان إعادة تشييد المبني ككنيسة عام 537م.

وقيل: إن الإمبراطور استدعى هذه المرة أشهر معماريي العصر لبنائه واستخدم عشرة آلاف عامل، وأنفق عليه 320 ألف رطل من الذهب (ما يعادل 134 مليون دولار أمريكي)، وهو كل ما كان في خزانة الدولة، واستغرق البناء 5 سنوات متتالية.

وظلت هذه الكنيسة تقوم بمهام "الكنيسة الشرقية" في العالم القديم، وترعى المذهب الأرثوذكسي، ومسيحيي الشرق ومناطق شمال شرق أوروبا وهضبة البلقان، إلى أن تحولت إلى مسجد بعد فتح القسطنطينية عام 1435.

"آيا صوفيا" مسجداً

ظل "آيا صوفيا" مسجدًا لمدة 481 عاماً، منذ تحويل السلطان محمد الفاتح له لمسجد عام 1453م حتى سقوط دولة الخلافة العثمانية وتحويل أتاتورك البناء إلى متحف وحتى منع أتاتورك الصلاة فيه عام 1935.

ففي أعقاب فتح القسطنطينية، عام 857هـ/ 1453م، أمر السلطان محمد الفاتح بتحويل الكنيسة إلى مسجد خلال ثلاثة أيام، بعد أداء أول صلاة له فيها وهي ركعتين شكراً لله.

ويقول مؤرخون: إن عدم توافر مسجد جامع كبير في ظل الأحوال الجوية الباردة والثلوج، كان دافعاً سريعاً للسلطان لتحويل الكنيسة إلى مسجد، خصوصاً أنها كانت مقراً للقيادة التي تحكم القسطنطينية قبل سقوطها.

وأدت هذه الظروف الجوية لإصدار فتوى من علماء الإفتاء في الدولة العثمانية تجيز تحويل الكنيسة لمسجد والاستفادة منها بدلًا من تركها على حالها المهجور بعد انتصار المسلمين وهزيمة الدولة القسطنطينية.

وأعقب هذه الفتوى أمر السلطان الفاتح بإزالة الصليب من أعلى القبة، ومن الأماكن البارزة، وأضيف للمبنى مآذن من الخارج، ولكن تركت الزخارف والنقوش المسيحية على الجدران والسقف دون تغيير حتى يومنا هذا، لكن الأتراك وضعوا غطاءات فوق هذه الصور دون إزالتها، وكُشف عنها بعد ذلك عندما أصبحت متحفًا.

وقد وُضِعَت لوحات قرآنية، مع لوحات كتابية دائرية ضخمة كُتِب عليها: "الله، محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، علي" على جدران المسجد، وهي للنبي صلي الله عليه وسلم، والخلفاء الأربعة الراشدين.

وتوجد داخله لوحة كُتِب عليها "محمد صلى الله عليه وسلم"، بجانب رسم مسيحي للسيدة مريم العذراء.

"آيا صوفيا" متحفاً

عام 1935، أمر مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا العلمانية، في أعقاب انهيار دولة الخلافة الإسلامية عقب الحرب العالمية الأولى، بتحويل مسجد "آيا صوفيا" إلى متحف يضم المئات من الكنوز الإسلامية والمسيحية، وأصدر قانونًا يمنع إقامة الشعائر الدينية فيه بشكل رسمي.

وظل المسجد ممنوعاً فيه الصلاة، حتى يومنا هذا، وسط مطالب متزايدة بإعادته كمسجد للصلاة في تركيا ذات الأغلبية السكانية المسلمة.

عدد المشاهدات 1197

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top