‏ لماذا تحشد مصر قواتها على حدود ليبيا.. ولا تتصدى للتهديد في نهر النيل؟!

15:37 13 يونيو 2020 الكاتب :   يوسف أحمد

منذ عهد الدولة المصرية القديمة، والأخطار القادمة من الشمال الشرقي تعد "مهددات لنظام الحكم"، أما المخاطر القادمة من الجنوب، ولا سيما أعالي النيل، فهي "مهددات وجودية" للمجتمع المصري، ومع هذا تبدو سلوكيات الدولة المصرية في مواجهة أزمتي سد النهضة، وليبيا، متعارضة مع هذه التهديدات.

فبدلاً من التركيز على "التهديد الوجودي" وهو حماية مياه النيل، وحماية أمن مصر المائي، ومنع إثيوبيا من تهديد الوجود المصري بتشغيل سد النهضة دون اتفاق، وحجز كميات من نصيب مصر في مياه النيل تؤدي لتصحر أراضيها، تتجه السياسات المصرية بتجاه ليبيا على الحدود الشمالية الغربية، لأن انهيار الانقلابي حفتر واقتراب قوات الوفاق التي تضم فصائل إسلامية وتدعمها تركيا، يراه الرئيس المصري تهديداً لنظامه.

وعلى حين تكتفي القاهرة بتلقي الإهانات والصفعات من إثيوبيا التي أعلنت أنها ستملأ السد وتحجز المياه دون موافقة مصر، ويقول وزير الري الإثيوبي: إنه من المقرر أن يحتجز السد في مرحلته الأولى 4.9 مليار متر مكعب من المياه، وتكتفي بالشكوى لمجلس الأمن، تهرع عشرات الدبابات والطائرات لحدود مصر الغربية.

فالأمر فيما يخص مياه النيل مسألة حياة أو موت لمصر الدولة، ونص المذكرة المصرية الرسمية التي وجهتها الخارجية المصرية إلى مجلس الأمن بالأمم المتحدة يؤكد ذلك.

حيث نصت على: "ويمكن أن تكون آثار نقص المياه في مصر بسبب المشاريع التي تضطلع بها إثيوبيا كارثية، ستضيع ملايين فرص العمل، وستختفي آلاف الهكتارات من الأراضي الصالحة للزراعة، وستشهد الأراضي المزروعة زيادة في الملوحة".

وتضيف المذكرة: "وستزداد تكلفة الواردات الغذائية زيادة هائلة، وسيستفحل نزوح السكان من المناطق الريفية إلى المدن، مما سيؤدي إلى زيادة البطالة ومعدلات الجريمة والهجرة غير الشرعية".

فانخفاض المياه الواردة لمصر بمقدار مليار متر مكعب فقط، سيؤدي في القطاع الزراعي وحده إلى فقدان 290 ألف شخص لدخولهم، وفقدان 130 ألف هكتار من الأراضي المزروعة، وزيادة قدرها 150 مليون دولار في الواردات الغذائية، وخسارة قدرها 430 مليون دولار في الإنتاج الزراعي.

ومع تزايد النقص في المياه واستمراره على فترة طويلة، ستحدث تداعيات لا تعد ولا تحصى، على مختلف قطاعات الحياة في مصر، وعلى اقتصاد البلد، وعلى استقرار مصر الاجتماعي والسياسي.

ورغم كل هذا قبلت الخارجية المصرية أن تبدأ مشاورات جديدة مع إثيوبيا حول سد النهضة على مستوى وزراء الري في الدول ‏الثلاثة، رغم أنه لم يتبق على تشغيل السد سوي أسبوعين تقريباً.

ولن تكون قواعد الملء الأولى هي محور المحادثات هذه المرة، ولكن سوف ينصب ‏التركيز على إجراءات التخفيف من الجفاف، فقد رفضت إثيوبيا في مفاوضات واشنطن إمكانية إطلاق المياه من خزان سد ‏النهضة لمساعدة السودان ومصر حال حدث جفاف، وادعت إثيوبيا أن سد النهضة لن يكون خزاناً للمياه لصالح ‏دولتي المصب.

الشرق والغرب باع مصر

استندت الدبلوماسية المصرية خلال المفاوضات حول سد النهضة إلى دعم الشرق (الرئيس الروسي بوتين)، والغرب (الرئيس الأمريكي ترمب) لها، والآن بات اللجوء إلى هذه الوساطة الخارجية في طريق مسدود، ولم يحدث اختراق دبلوماسي والتوصل لاتفاق.

حيث سعت مصر إلى طلب الوساطة الأمريكية بعد أن وافق رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على إشراك طرف ثالث للوساطة؛ لأن الولايات المتحدة تمثل حليفاً إستراتيجياً لكل من مصر وإثيوبيا، وجرت جولات مكوكية خلال الفترة من نوفمبر 2019 إلى فبراير 2020، في كل من واشنطن والخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، وحضر ممثلون عن وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، ووافقت إثيوبيا من حيث المبدأ على طلب مصري بأن تتم عملية ملء السد على مراحل على مدى 7 سنوات، لكن التفاصيل الدقيقة لكيفية تنفيذها، بما في ذلك السرعة التي سيتم بها ملء الخزان وإجراءات التخفيف من حدة الجفاف خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد وقفت عائقاً أمام التوصل لاتفاق.

وبعد صياغة المسودة النهائية للاتفاق، قررت إثيوبيا عدم حضور الجولة النهائية من المفاوضات في أواخر فبراير 2020، حيث كان من المفترض أن يوقع الجانبان على اتفاقية قانونية ملزمة، ورفضت إثيوبيا شروط الصفقة واعتبرتها مواتية لمصر لتعود المماطلة والتسويف، ولكن هذه المرة بعملية تعبئة غير مسبوقة من أجل شيطنة مصر واتهامها بسرقة مياه النيل تاريخياً.

وحتى حين لجأت مصر إلى مجلس الأمن الدولي بسبب "التصرفات الأحادية من قبل إثيوبيا، وافتقارها إلى الرغبة في التعاون ورغبتها في ملء سد النهضة بغض النظر عن تأثيره على دولتي المصب"، جاء الرد الإثيوبي متعجرفاً؛ حيث أكد حق إثيوبيا في المضي قدماً وخططها الخاصة بملء السد في موسم الأمطار الشهر القادم (يوليو) حتى بدون اتفاق، فضاعت فرصة أخرى للحل السلمي.

وقد أبدى رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك رغبته في تخفيف حدة التوتر ورتب لاستئناف المحادثات الثلاثية، وانطلقت مناشدات دولية للتوصل لاتفاق، لكن الرد الإثيوبي كان مزيداً من التعنت، حيث صرح آبي أحمد بأن "فيروس كورونا نفسه لا يستطيع وقف خطط بناء وتشغيل السد"!

وحتى الآن رفضت إثيوبيا جميع المقترحات المصرية التي من شأنها التخفيف من أضرار السد، فهي لم تقبل أن يكون ملء السد في 7 سنوات والحفاظ على مستوى المياه في سد أسوان عند 165 متراً وضمان 40 مليار م3 من المياه لمصر -وهو ما يعني تخلي مصر طوعاً عن 15 مليار م3 من حصتها التاريخية التي لا تكفيها- وزيادة فتحات تصريف المياه لتصبح أربعاً بدلاً من اثنتين لضمان تدفق المياه خلال فترات الجفاف، وأن تكون سنوات الملء 7 مع مراعاة سنوات الجفاف، في حين تريدها إثيوبيا بين 4-7 سنوات على الأكثر، وبالطبع رفضت إثيوبيا الإدارة المشتركة للمشروع.

مصر فرطت في حقوقها

لا يمكن وسط هذه المخاطر نسيان الدور الرسمي المصري الذي فرط في حقوقه، بداية من تخلي مصر عن اتفاقيات عامي 1959 و1963 اللتين تحفظان حقوق مصر في مياه النيل، وتوقيع النظام على اتفاقية الخرطوم التي شكلت اعترافاً بسد النهضة، وحتى وقوف النظام أمام رئيس وزراء إثيوبيا وهو يطلب منه أن يحلف أنه لن يضر مصر، ودون أن تحدد مصر خياراتها ولو بالتهديد بالحرب كخيار أخير.

وضمن هذا التفريط، كانت تصريحات المسؤولين المصريين، ففي 30 أكتوبر2013 خرج رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي بتصريح تلفزيوني مثير معتبراً أن "سد النهضة سيكون مصدر رخاء لدول حوض النيل"!

وقال وزير الكهرباء المصري محمد شاكر في ندوة بنقابة المهندسين، في 26 أكتوبر 2014، بأن هناك دراسات متعلقة بإمكانية شراء كهرباء سد النهضة، ثم وقع السيسي وثيقة إعلان المبادئ في عام 2015 التي تخلت مصر بموجبها طوعاً عن 12 اتفاقية مع إثيوبيا تحفظ لها حصتها في النيل (منها 5 موقعة في أوقات لم تكن إثيوبيا تخضع فيها لأي احتلال) ابتداءً ببرتوكول روما في أبريل 1891، ومروراً باتفاقيتي عامي 1929 و1959 التي نصت صراحة على حصة مصر التاريخية وحق مصر في "الفيتو" للاعتراض على أي مشروع من شأنه الإضرار بمصالح مصر، حتى إطار التعاون الموقع في القاهرة في يوليو 1993.

الأكثر لؤما لدى الطرف الإثيوبي أنهم تحججوا حين انسحبوا من مفاوضات واشنطن أنهم لا يمكنهم تقديم تنازلات في وقت تستعد فيه القوى السياسية لانتخابات برلمانية في يوليو 2020، والخشية أن يسقط الإثيوبيون حزب رئيس الوزراء آبي أحمد لو قدم تنازلات، ولكنهم قاموا هذا الأسبوع بتأجيل الانتخابات لمدة عام.

هذا يعني مرور شهر يوليو الذي سيتم فيه ملء السد، ثم التفاوض على أمر واقع هو ملء السد! ومن ثم المزيد من خداع وتضليل مصر.

فقد وافق المجلس الفيدرالي في إثيوبيا على تمديد ولاية حكومة حزب الازدهار والبرلمان وحكومات الأقاليم حتى انتهاء أزمة فيروس كورونا، على أن تعقد الانتخابات العامة خلال فترة ما بين 9 و12 شهراً.

وقد رفضت ثلاثة أحزاب معارضة؛ اثنان من أورومية، والثالث هو ممثل إقليم الأوجادين هذا التصرف الأحادي من حكومة آبي أحمد، واعتبروا قرار التمديد غير دستوري ويتنافى مع المبادئ الديمقراطية، وأعلن إقليم التيجراي أنه سوف يعقد الانتخابات الإقليمية في يوليو أو أغسطس القادم؛ ما يعني مزيداً من الاضطرابات والمظاهرات وعدم الاستقرار، ومن ثم تأجيل أي مفاوضات حول سد النهضة.

عدد المشاهدات 1152

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top