د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 04 أغسطس 2020 13:31

سُلطان العلماء العز بن عبدالسلام

 هو عبدالعزيز بن عبدالسلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمدبن مُهَذَّب السُّلَمِيّ شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سُلطانُ العلماء، إمام عصره بلا مُدَافَعة، القائمُ بالأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكَر في زَمانه، المُطَّلِعُ على حقائق الشريعة وغوامضِها، العارِفُ بمَقاصدِها، لم يرَ مثلَ نفسِه، ولا رأى مَن رآه مثلَه، عِلماً وورعاً وقياماً في الحق وشجاعةً وقوة في جَنان وسَلاطَةَ لسان.

ولد سنة سبعٍ أو سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة.

تفقّه على الشيخ فخرِ الدين ابن عساكر، وقرأ الأصولَ على الشيخ سيف الدين الآمِدِيّ وغيرِه، وسَمِع الحديثَ من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر، وشيخِ الشيوخِ عبدِاللّطيف بن إسماعيل بن أبي سعد البغداديّ.

روى عنه تلامذتُه؛ شيخُ الإسلام ابن دَقِيقِ العيد، وهو الذي لَقَّب الشيخَ عزَّ الدين سُلْطانَ العُلماء، والإمامُ علاء الدين أبو الحسن الباجِيّ، والشيخ تاجُ الدين ابن الفِرْ كاح، والحافظ أبو محمد الدِّمْياطيّ.

درَّس بدمشقَ أيام مُقامِه بها بالزاوية الغَزَّلية وغيرِها، ووَلِي الخَطابة والإمامةَ بالجامع الأموِيّ.

قال الشيخُ شهابُ الدِّين أبوشامةَ أحدُ تلامذةِ الشيخ: وكان أحقَّ الناس بالخَطابة والإمامة، وأزال كثيراً من البِدَع التي كان الخُطباء يفعلونها؛ من دَقِّ السَّيْفِ على المِنْبر وغير ذلك، وأبطل صلاتي الرَّغائب ونِصْفِ شَعْبانَ، ومَنع منهما.

سمعت الشيخَ الإمامَ رحمه الله يقول: سمعت شيخَنا الباجِيَّ يقول: طلع شيخُنا عِزُّ الدين مرّةً إلى السلطان في يومِ عيدٍ إلى القامة، فشاهد العساكر مُصْطفِّين بينَ يديه ومجلسَ المملكة وما السلطانُ فيه يومَ العيد من الأُبَّهة، وقد خرج على قومه في زينتِه على عادة سلاطين الديار المصرية، وأخذت الأمراءُ تقبِّلُ الأرضَ بينَ يدَي السلطان، فالتفت الشيخُ إلى السلطان وناداه: يا أيّوبُ، ما حُجَّتُك عند الله إذا قال لك: ألم أُبوّئُ لك مُلكَ مِصْر ثم تبيح الخمورَ؟ فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفُلانيّة يُباع فيها الخمور وغيرُها من المنكَرات، وأنت تتقلَّب في نِعْمةِ هذه المملكة، يناديه كذلك بأعلَى صوته، والعساكر واقفون، فقال: يا سيّدي، هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي، فقال: أنت من الذين يقولون: «إنَّا وَجَدْنَا آباءَنَا عَلَى أُمّةٍ»، فرسَم السلطان بإبطال تلك الحانة.

سمعت الشيخَ الإمام يقول: سمعتُ الباجيَّ يقول: سألت الشيخَ لمّا جاء من عند السُّلطان وقد شاع الخبر: يا سيِّدي، كيف الحال؟ فقال: يا بُنَيَّ، رأيتُه في تلك العظمة فأردت أن أهِينَه لئلّا تكبُر نفْسُه فتؤذِيَه، فقلت: يا سيِّدي، أما خِفْتَه؟ فقال: واللهِ يا بُنَيَّ، استحضرتُ هَيْبةَ الله تعالى، فصار السلطان قُدَّامي كالقِطّ.

وحكى قاضي القضاة بدرُ الدِّين بنُ جماعةَ، رحمه الله، أنّ الشيخَ لمّا كان بدِمَشْق وقع مرّةً غلاءٌ كبير حتى صارت البساتين تُباع بالثمن القليل، فأعطتْه زوجتُه مَصاغاً لها وقالت: اشتر لنا به بُستاناً نَصِيفُ به، فأخذ ذلك المَصاغَ وباعه وتصدَّق بثمنِه، فقالت: يا سيِّدي، اشتريتَ لنا؟ قال: نعم، بستاناً في الجنّة، إني وجدت الناس في شدَّةٍ فتصدَّقتُ بثمنِه، فقالت له: جَزاك الله خيراً.

وحكى أنه كان مع فقرِه كثيرَ الصَّدقات، وأنه ربّما قَطع من عِمامته وأعطى فقيراً يسأله إذا لم يجد معه غيرَ عِمامتِه.

قال شيخ الإسلام ابنُ دقيق العيد: كان ابنُ عبداِلسَّلام أحدَ سلاطينِ العلماء.

وعن الشيخ جمال الدين ابن الحاجِب أنه قال: ابنُ عبدِالسَّلام أفقهُ من الغزّالِيّ.

ذكر واقِعة التَّتار وما كان من سُلْطان العُلماء فيها:

استشاروا الشيخ عِزَّ الدِّين، رحمه الله، فقال: اخرُجوا وأنا أضْمَن لكم على الله النَّصرَ، فقال السلطان له: إن المالَ في خزانتي قليلٌ، وأنا أريد أن أقترضَ من أموال التُّجَّار.

فقال له الشيخُ عِزُّ الدِّين: إذا أحضرتَ ما عِندك وعِند حَريمِك، وأحضر الأمراءُ ما عِنْدَهم من الحُليّ الحرامِ، وضَرَبْتَه سكَّةً ونَقْداً، وفرَّقته في الجيش ولم يَقُم بِكفايتهم، ذلك الوقتَ اطلُبِ القَرْضَ، وأما قَبْلَ ذلك فلا، فأحضر السلطانُ والعسكرُ كلُّهم ما عِنْدَهم من ذلك بين يدي الشيخ، وكان الشيخ له عظمةٌ عِندَهم وهَيْبةٌ بحيث لا يستطيعون مخالفتَه، فامتثلوا أمرَه، فانتصروا.

ذكر كائنة الشيخ مع أمراء الدولة من الأتراك:

وهم جَماعةٌ ذُكِر أن الشيخَ لم يثبُتْ عِنْدَه أنهم أحرارٌ، وأن حُكْمَ الرِّقّ مُسْتَصْحَبٌ عليهم لِبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك، فعَظُم الخَطْبُ عندهم فيه، وأُضْرِم الأمرُ، والشيخ مصمِّمٌ لا يصحِّح لهم بيعاً ولا شِراء ولا نِكاحاً، وتعطَّلتْ مصالحُهم بذلك.

فقال: نَعْقِد لكم مجلساً، ويُنادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصُل عِتْقُكم بطريقٍ شرعي.

قال: أنادي عليكم وأبيعكم، قال: ففيم تَصْرِف ثمنَنا؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: مَن يَقْبِضُه؟ قال: أنا.

فتمَّ له ما أراد، ونادى على الأمراء واحِداً واحداً، وغالَى في ثمنهم، وقبضه وصرفه في وجوه الخير، وهذا ما لم يُسْمَع بمثله عن أحد، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

ومن تصانيف الشيخ عزِّ الدين «القواعِد الكبرى»، وكتاب «مجاز القرآن»، وهذان الكتابان شاهدان بإمامته وعظيم منزلته في علوم الشريعة.

توفي في العاشر من جُمادى الأولى سنة ستين وستمائة بالقاهرة، ودُفِن بالقرافة الكبرى رحمه الله تعالى(1).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- السعي لطلب العلم عبر العلماء المتخصصين المعتبرين سمة لازمة لعلماء الأمة وأئمتها الأجلاء العظماء.

- العالم الرباني لا يستغني عن تعليم الناس وتدريسهم في المسجد أو في المدرسة والناس لا يستغنون عن ذلك.

- حياة الفرد بالأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعلم ودراية وإخلاص.

- العالم الصادق المخلص يبلغ دين الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوصل كلمة الحق لمن يعنيه الأمر ولو كان حاكماً أو والياً أو مسؤولاً.

- إن تبليغ رسالة الإسلام للناس من سمات العلماء الربانيين والمؤمنين الصادقين الذين يخشون الله وحده ويحبونه؛ (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) (الأحزاب: 39).

- إن الأمة إذا تركت الحق واتبعت الباطل فسيذهبها الله ويأتي بأقوام آخرين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وما ذلك إلا لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: 54).

- من أرضى الله تعالى بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.

- لا يستغني أحد عن بركات الصدقة وأجرها وحسناتها وخيراتها ولو كان فقيراً!

- إنفاق الحاكم وأهله وحاشيته وقت الأزمات والكوارث والحروب يساهم في دفع الكوارث والكربات ويجعلهم محل القدوة والتوبة والمعروف والإحسان.

والحمد لله رب العالمين.

 

_______________________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج8، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الإثنين, 06 يوليو 2020 11:11

الإمام ابن عساكر

 علي بن الحسن بن هِبَة الله بن عبدالله بن الحسين، الإمام الجليل، حافظ الأمة، أبو القاسم ابن عساكر.

هو الشيخ الإمام، ناصر السُّنّة وخادِمها، وقامع جند الشيطان بعساكر اجتهاده وهادمها، إمام أهل الحديث في زمانه، وختام الجهابِذَة الحفّاظ، ولا ينكر أحدٌ منهم مكانة مكانِه، مَحَطُّ رِحال الطالبين، ومَوْئِل ذوي الهمم من الراغبين، الواحد الذي أجمعت الأمة عليه، والواصل إلى ما لم تطمح الآمال إليه، والبحر الذي لا ساحل إليه.

وُلد في مستهل رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة للهجرة.

وسمع خلائق، وعدة شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ، ومن النساء بضع وثمانون امرأة.

وارتحل إلى العراق ومكة والمدينة، وارتحل إلى بلاد العجم، فسمع بأصبهان، ونَيْسَابور، ومَروْ، وتِبريز، ومِيهَنة، وبَيْهق..

وسمع منه جماعة من الحفاظ كأبي العلاء الهَمَذانيّ، وأبي سعد السمعانيّ، وروى عنه الجَمُّ الغَفير، والعَدَد الكثير، ورُوِيت عنه مصنَّفاته وهو حيٌّ بالإجازة، في مدن خراسان وغيرها، وانتشر اسمه في الأرض، ذات الطول والعَرْض.

وكان قد تفقَّه في حداثته بدمشق على الفقيه أبي الحسن السُّلَمِيّ،

ولما دخل بغداد لزم بها التفقُّه وسماعَ الدروس بالمدرسة النِّظامية، وقرأ الخلاف والنحو، ولم يزل طولَ عمره مواظِباً على صلاة الجماعة، ملازِماً لقراءة القرآن، مكثراً من النوافل والأذكار، والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار، وله في العشر من شهر رمضان في كل يومٍ ختمة، غير ما يقرأه في الصلوات، وكان يختم كلَّ جمعة، ولم يُرَ إلا في اشتغال، يُحاسب نفسه على ساعة تذهب في غير طاعة، يصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ويسطو على أعداء الله المبتدعة ولا يبالي وإن رَغِمَ أنفُ الرَّاغم، لا تأخذه رأفةٌ في دين الله، ولا يقوم لغضبه أحدٌ إذا خاض الباغِي في صفات الله.

قال له شيخه أبو الحسن بن قُبَيْس، وقد عزم على الرِّحلة: إني لَأَرجو أن يُحييَ الله تعالى بك هذا الشأن، فكان كما قال، وعُدَّتْ كرامةً للشيخ وبِشارَةً للحافظ.

ولما دخل بغداد أُعْجِب به العراقيُّون، وقالوا: ما رأينا مثله، وكذلك قال مشايخه الخُراسانيُّون.

وقال الحافظ أبو العَلاء الهَمَذانيّ لبعض تلامذته وقد استأذنه أن يسافر: إن عرفتَ أستاذاً أعلَم مني، أو يكون في الفَضْل مثلي فحينئذ آذنُ لك أن تسافرَ إليه، اللهم إلا أن تسافر إلى الشيخ الحافظ ابن عساكر، فإنه حافظ كما يجب.

وقال شيخه الخطيب أبو الفَضْل الطُّوسِيّ: ما نعرف من يستحق هذا اللقبَ اليومَ سِواه؛ يعني لفظة الحافظ.

وكان يُسَمَّى ببغداد شُعْلَةَ نار، من توقُّده، وذكائه وحسن إدراكه، لم يجتمع في شيوخه ما اجتمع فيه؛ من لزومِ طريقة واحدة منذ أربعين سنة، يلازم الجماعة في الصف المقدَّم إلا من عذر مانع، والاعتكاف والمواظبة عليه في الجامع، وإخراج حقّ الله، وعدم التطلُّع إلى أسباب الدنيا، وإعراضه عن المناصب الدينيّة، كالإمامة والخطابة، بعد أن عُرِضتا عليه.

وقال ابن النجّار: هو إمام المحدِّثين في وقته، ومن انتهت إليه الرِّياسة في الحفظ والإتقان، والمعرفة التامّة بعلوم الحديث، والثقة والنُّبل، وحسن التَّصنيف والتجويد، وبه خُتِم هذا الشأن.

وكان الملك العادل محمود بن زَنْكِي نور الدين قد بَنى له دار الحديث النُّورِيّة، فدرَّس بها إلى حين وفاته، غيرَ ملتفت إلى غيرها، ولا متطلِّع إلى زُخْرف الدنيا، ولا ناظرٍ إلى محاسن دمشق ونُزَهِها، بل لم يزل مواظباً على خدمة السُّنة والتعبّد باختلاف أنواعه؛ صلاةً وصياماً واعتكافاً وصدقة، ونَشْرَ علم، وتشييع جنائز، وصِلاتِ رَحِم إلى حين قُبِض، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

توفي الحافظ في حادي عشر شهر رجب الفرد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، بدمشق ودُفِن بمقبرة باب الصغير(1).

الفوائد الإيمانية والتربوية:

- كان علماء الإسلام، رحمهم الله تعالى، يتزودون دائماً بالزاد الإيماني التربوي من ملازمة لصلاة الجماعة وصيام النوافل وتلاوة القرآن الكريم والأذكار والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار والصدقة وتشييع الجنائز والاعتكاف وصلة الرحم ونشر العلم.. فقد كان هذا زادهم حتى يلقوا الله تعالى.

- الحرص على طلب العلم والتفقُّه من الصغر وسن الشباب له دور في صياغة شخصية العالم وإتقانه للعلم والفنون؛ ولذلك يجب على المربين أن ينتبهوا للنماذج الموهوبة والمتميزة وتوجيهها وتربيتها والعناية بها، باعتبار كل واحد منهم مشروع عالم شرعي متمكن للمستقبل، بإذن الله تعالى.

- الحرص على التدريس والتربية والتعليم والدعوة إلى الخير من سمات العلماء الربانيين.

- كان العلماء لا يشغلهم أمر عن العلم والعبادة.

- الزهد في المناصب كان سمتاً معروفاً للعلماء الصادقين المخلصين.

- كان علماء الإسلام لا يرضون إلا بالحفظ والإتقان والمعرفة التامة لمختلف المعارف والعلوم.

والحمد لله رب العالمين.

 

__________________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج7، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الثلاثاء, 09 يونيو 2020 11:28

أحمد بن محمد الجرْوَآني

 «أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سِلَفة، الحافظ الكبير، أبوطاهر بن أبي أحمد السِّلَفي، الأصبهاني، الجرْوَآني.

كان حافظاً جليلاً، وإماماً كبيراً، واسعَ الرحلة، دَيِّناً، وَرِعاً، حجة، ثَبْتاً، فقيهاً، لغوياً، انتهى إليه علوُّ الإسناد، مع الحفظ والإتقان.

قيل: مولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تخميناً، لا يقيناً.

وقد طلب الحديث، وكتب الأجزاء، وقرأ بالروايات في سنة تسعين وبعدها.

وحكى عن نفسه أنه حدّث سنة اثنتين وتسعين، وما في وجهه شعرة، وأنه كان ابن سبع عشرة سنة أو نحوها.

ثم رحل في رمضان، سنة ثلاث وتسعين، إلى بغداد، وأدرك نصراً بن البَطِر.

وسمع ببغداد أيضاً من أبي بكر الطُّرَيْثيثي، وأبي عبدالله بن البُسْرِي، وثابت بن بُندار، والموجودين بها إذ ذاك، وعمل «معجماً» لشيوخها.

ثم حجّ، وسمع في طريقه بالكوفة، من أبي البقاء المُعمَّر بن محمد الحَبَّال.

وبمكة، من الحسين بن علي الطَّبَرِي، وبالمدينة من أبي الفرج القَزْوينيّ، وعاد إلى بغداد فتفقَّه بها، واشتغل بالعربية، ثم رحل إلى البصرة سنة خمسمائة.

قال شيخنا الذهبي: لا أعلم أحداً في الدنيا حدَّث نيِّفا وثمانين سنة سوى السِّلَفِي.

تفقَّه السِّلَفي على إلكِيا أبي الحسن الطَّبري، وفخر الإسلام الشاشي، ويوسف بن علي الزَّنْجانِيِّ.

وأخذ الأدب عن أبي زكرياء التِّبْريزِي، وغيره.

وقرأ القرآن بالروايات.

ذكره ابن عساكر، فقال: سمع ممن لا يُحصَى.

وقال ابن السَّمْعاني: هو ثقة، ورع، متقِن، مثبت، حافظ، فَهِم، له حظٌّ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه.

وقال الحافظ عبدالقادر الرُّهَاويّ: سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر، أنه قال عن السِّلَفِيّ: كان ببغداد كأنه شعلةُ نار في تحصيل الحديث.

قال عبدالقادر: وكان له عند ملوك مصر الجاهُ والكلمة النافذة، مع مخالفته لهم في المذهب، وكان لا تبدو منه جَفْوةٌ لأحد، ويجلس للحديث فلا يشرب ماءً، ولا يبصُق، ولا يتورّك، ولا يبدو له قدَم، وقد جاوز المائة.

قال عبدالقادر: وكان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، أزال من جوارِه منكرات كثيرة.

وقال ابن نُقْطَة في السِّلَفِيّ: كان حافظاً، ثقة، جوَّالاً في الآفاق، سآلاً عن أحوال الرجال، شجاعاً.

تُوفِّي صبيحة يوم الجمعة، الخامس من شهر ربيع الآخر، سنة ست وسبعين وخمسمائة فجأة، وله مائة وست سنين، على ما يظهر.

ولم يزل يُقْرَأ عليه الحديث إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته، وهو يرد على القارئ اللحنَ الخفِيَّ، وصلى يوم الجمعة الصبحَ عند انفجار الفجر، وتُوُفِّيَ عقِيبَه فجأة»(1).

الفوائد الإيمانية والتربوية:

- الصفات الإيمانية من الخوف من الله تعالى والورع وغيرها تعين العالم على طلب العلم وإتقانه والتحمل من أجله.

- كانت الرحلة في الآفاق والتنقل في الأقطار وسيلة من وسائل طلب العلم لدى علمائنا الأفذاذ؛ ولذا بارك الله في علمهم إلى يومنا هذا.

- طلب العلم من الصغر له بالغ الأثر في رسوخ قدم العالم وتميزه طوال حياته، وهذا ما يجب أن يحرص عليه المربون.

- كثرة الشيوخ الذين يتلقى عنهم العالم العلم والخلق والسمت الحسن رصيد قوي في تكوين متانة العلم ورصانته وقوته لدى العالم وصياغته لشخصيته.

- كان العلماء آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر مقيمين لحدود الله تعالى لشعورهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم ولخوفهم من سؤال الله تعالى وحسابه يوم القيامة.

- كان العلماء يتدارسون العلم حتى آخر رمق من حياتهم فيُرزَقون حسن الخاتمة.

والحمد لله رب العالمين

 

______________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج6، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد بن عبدالله بن حيُّويه الجُوَيْني النّيسابوري، إمام الحرمين، أبو المعالي.

هو الإمام شيخ الإسلام البحر الحَبْر، المدقّق المحقّق، النّظّار الأصولي المتكلم، البليغ الفصيح الأديب، العلَم الفَرْد، زينة المحقّقين.

وإذا وعَظ ألبس الأنفسَ من الخشية ثوباً جديداً، ونادته القلوب: إننا بَشَرٌ فأسجح، فلسنا بالجبال ولا الحديدا.

رُبّيَ في حِجر العلم رشيداً، حتى رَبا، وارتضع ثَدْيَ الفضل فكان فِطامُه هذا النّبا، وأحكم العربية، وما يتعلق بها من علوم الأدب، وأوتِي من الفصاحة والبلاغة ما عجَّز الفُصَحاء، وحيَّر البلغاء، وسكَّت مَن نطق ودأب.

وُلد في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، واعتنى به والده من صِغَره، لا بل قبل مولده.

وذلك أن أباه اكتسب من عمل يده مالاً خالصاً من الشُّبهة، اتصل به إلى والدته، فلما ولدته له حرص على ألا يُطعمه ما فيه شبهة، فلم يمازج باطنَه إلا الحلالُ الخالص، حتى إنه تلجلج مرة في مجلس مناظرة، فقيل له: يا إمام، ما هذا الذي لم يُعْهد منك؟

فقال: ما أراها إلا آثار بقايا المصّة.

قيل: وما نبأ هذه المصة؟

قال: إن أمي اشتغلت في طعام تطبُخه لأبي، وأنا رضيع، فبكيت وكانت عندنا جارية مرضعة لجيراننا فأرضعتني مصة أو مصتين، ودخل والدي، فأنكر ذلك، وقال: هذه الجارية ليست مِلكاً لنا، وليس لها أن تتصرف في لبنها، وأصحابُها لم يأذنوا في ذلك، وقلبني وفوّعني حتى لم يَدَعْ في باطني شيئاً إلا أخرجه، وهذه اللّجْلجة من بقايا تلك الآثار.

فانظر إلى هذا الأمر العجيب، وإلى هذا الرجل الغريب، الذي يحاسب نفسه على يسيرٍ جرى في زمن الصبا الذي لا تكليف فيه، وهذا يدنو مما حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ثم أخذ الإمام في الفقه على ولده، وكان والده يُعْجَب به ويُسَر؛ لما يرى فيه من مخايل النجابة، وأمارات الفلاح.

وجَدّ واجتهد في المذهب والخلاف، وغيرها، وشاع اسمه، واشتهر في صباه، وضُربت باسمه الأمثال، حتى صار إلى ما صار إليه، وأوقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه، وسلك طريقَ البحث والنظر والتحقيق.

ولا يشك ذو خبرة أنه كان أعلمَ أهلِ الأرض بالكلام والأصول والفقه.

ثم توفِّيَ والده وسنه نحو العشرين، وهو مع ذلك من الأئمة المحقِّقين، فأُقعده مكانه في التدريس، فكان يدرِّس ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البَيْهقي، حتى حصَّل الأصول عند أستاذه أبي القاسم الإسكاف الإسْفَرايني، وكان يواظب على مجلسه.

وكان يصل الليل والنهار في التحصيل، ويبكّر كل يوم، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته على التدريس، وناداه على بُعد الديار البيتُ الحرامُ فلبَّى وأحرم، وتوجه حاجّاً، وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويُفتي، ويجتهد في العبادة ونشر العلم.

فبُنيت له المدرسة النظامية بنيسابور، وأُقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة، غيرَ مُزاحَم ولا مُدافَع، مسلَّم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة، والمناظرة.

ومن تصانيفه «النهاية» في الفقه، و»الشامل»، و»الإرشاد» في أصول الدين، و»البرهان» في أصول الفقه، و»الورقات»، و»غياث الأمم»، و»مُغيث الخَلْق» في ترجيح مذهب الشافعية، و»الرسالة النظامية»، و»مدارك العقول»، وله «ديوان خُطَب» مشهور.

قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني إمام الحرمين.

وقال له مرة: يا مقيدَ أهل المشرق والمغرب، لقد استفاد من علمك الأولون والآخِرون.

وقال الحافظ أبو محمد الجُرجانيّ: هو إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره، عديم المثل في حفظه وبيانه ولسانه.

تُوفِّيَ ليلة الأربعاء بعد صلاة العَتَمة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة»(1).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- الحرص على طلب العلم منذ الصغر يورث الإمامة في الكبر.

- حرْص العلماء الربانيين على الحلال والبعد عن الشبهات أثمر ذرية طيبة.

- العالم الرباني حريص على تعليم الناس أمر دينهم وتربيتهم على الخير.

- حرْص العلماء على التدريس في المساجد والمدارس.

- الجمع بين التعليم والتعلم من صفات العلماء المتميزين الذين لا يبالون بثناء الناس ومدحهم، ولا يغترون بالشهرة، بل هم أعلم بأنفسهم وحاجتهم إلى التعلم وسد النقص في جوانب الخلل لديهم.

- رحم الله علماءنا؛ فكان يعرف بعضهم قدر بعض، فلا يترددون في ذكر مآثر بعضهم عدالة وإنصافاً وشهادة.

- الزاد الإيماني من عبادة وحج وقراءة القرآن هو الزاد الذي كان يحرص عليه العلماء.

والحمد لله رب العالمين.

 

_____________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج5، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الصفحة 1 من 11
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top