د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

2020-07-08_10h12_43.jpg

جاءت جريمة مقتل «فلويد» بعد 3 أشهر من مقتل شاب أسود آخر وهو «أحمد أربيري» في ولاية جورجيا، أثناء ممارسته رياضة الجري، على يد رجل وابنه من ذوي البشرة البيضاء، وقد دفع مقتل «جورج فلويد» إلى اندلاع احتجاجات كبيرة في أنحاء الولايات المتحدة، ترفع شعار «حياة السود مهمة»، وخرجت بعض تلك الاحتجاجات عن جانب السلم إلى العنف، وأصبحت تهدد عرش الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، حتى وظَّف الإنجيل في الوقوف ضدها، ولكن لم يزد تصرفه هذا إلا استهجاناً، كما انتشرت المظاهرات في العديد من دول العالم التي تندد بالعنصرية، ولم ينطفئ لهيب الاحتجاجات حتى اشتعلت نار التظاهرات بصورة أكبر بعد التمادي في قتل آخرين من السود.

إن هذه العنصرية البغيضة لم تكشف عن عنصرية الجنس البشري واللون فحسب، بل كشفت كذلك عن توحش النظام الرأسمالي الذي يزيد الغني غنى والفقير فقراً، ويقسم المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة غارقة لا تجد قوت يومها، وطبقة طافية مترفة، حتى وصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر في الولايات المتحدة نحو 12%، وارتفع معدل البطالة إلى 13.7%، في أبريل الماضي، وقد بدا واضحاً رد الفعل على الطبقية التي هي نتاج العنصرية المالية البغيضة من خلال السلب والنهب بصفة خاصة للمتاجر ذات الماركات العالمية المشهورة.

إن ما يحدث بأمريكا يكشف بوضوح عن عورة الذين يتغنون بالحرية ويغذون العنصرية، وفي مقدمتهم الرئيس الحالي «دونالد ترمب»، وفي الوقت نفسه يتهمون الإسلام ليلاً ونهاراً خفية وجهاراً بالإرهاب، هذا الدين الخالد الذي حارب العنصرية ووصفها بـ «المُنْتِنة»، وأقرَّ للبشر جميعاً التكريم والتسخير والرزق والتفضيل دون تمييز في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70)، وحينما أقرَّ التمييز لم يجعله على أساس الجنس أو اللون أو اللغة أو المال، ولكن بمعيار التقوى، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).

فالله تعالى هو من خلق الأبيض والأسود، ولا ينبغي أن يحاسَب إنسان على لونه، فهو ليس من اختياره، ومعيار التفرقة يكون بشيء مرتبط بسعي البشر وإرادتهم وهو التقوى، وفي الحديث الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، كما رُوي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قاولت رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا ابن السوداء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، طف الصاع طف الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل».

وعنصرية المال التي بدت نواجذها واضحة في أزمة «فلويد» بأمريكا من خلال التفاوت الطبقي الكبير، وفقدان التراحم بين أبناء المجتمع، لا مكان فيها للإسلام الذي يرسخ للدرجية لا الطبقية، وفتح مجال التراحم ومعالجة التفاوت الطبقي من خلال إعادة التوزيع.

فالله تعالى جعل الناس درجات وليس طبقات، وسخر بعضهم لبعض وفق تخصصاتهم، فكل منهم يحتاج للآخر ولا يستغني عنه، يقول تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32).

يقول صاحب «الظلال» في هذه الآية: «ورزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد، وظروف الحياة، وعلاقات المجتمع، وتختلف نسب التوزيع بين الأفراد والجماعات وفق تلك العوامل كلها، تختلف من بيئة لبيئة، ومن عصر لعصر، ومن مجتمع لمجتمع، وفق نظمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها، ولكن السمة الباقية فيه، التي لم تتخلف أبداً حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة للإنتاج وللتوزيع أنه متفاوت بين الأفراد، وتختلف أسباب التفاوت ما تختلف بين أنواع المجتمعات وألوان النظم، ولكن سمة التفاوت في مقادير الرزق لا تتخلف أبداً، ولم يقع يوماً حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة أن تساوى جميع الأفراد في هذا الرزق أبداً. 2020-07-08_10h12_55.jpg

والحكمة في هذا التفاوت في جميع العصور وجميع البيئات ليسخر بعضهم بعضاً.. ودولاب الحياة حين يدور يسخر بعض الناس لبعض حتماً، وليس التسخير هو الاستعلاء.. استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد.. كلا! إن هذا معنى قريب ساذج، لا يرتفع إلى مستوى القول الإلهي الخالد.. كلا! إن مدلول هذا القول أبقى من كل تغير أو تطور في أوضاع الجماعة البشرية؛ وأبعد مدى من ظرف يذهب وظرف يجيء.

إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض، ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع وفي كل ظرف، لمقدر عليه في الرزق مسخر للمبسوط له في الرزق، والعكس كذلك صحيح، فهذا مسخر ليجمع المال، فيأكل منه ويرتزق ذاك، وكلاهما مسخر للآخر سواء بسواء، والتفاوت في الرزق هو الذي يسخر هذا لذاك، ويسخر ذاك لهذا في دورة الحياة.. العامل مسخر للمهندس ومسخر لصاحب العمل، والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل، وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على السواء، وكلهم مسخرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات، والتفاوت في الأعمال والأرزاق».

العدالة في الإسلام

لقد حرص الإسلام على تحقيق العدالة والتوازن في التوزيع للدخل والثروة؛ ففتح المجال أمام الملكية الفردية من خلال توظيف ما يملكه الإنسان من مهارات، والعمل بصورة نظيفة لا غش فيها ولا احتكار ولا ربا ولا قمار ولا أكل للمال بالباطل على العموم وفتح الباب للكفايات، وتقسيم العمل بين الناس على أساس التخصص وتبادل المنافع.

وفي الوقت نفسه؛ شرع آليات تتولى إعادة توزيع الدخل والثروة، من أبرزها آلية الإرث التي تعيد توزيع الدخول والثروات المكتسبة خلال دورة الحياة على أساس درجة القرابة، والشارع الحكيم وهو يتوخى توزيع الميراث على مستحقيه توزيعاً عادلاً -لا يشوبه حيف ولا يعتريه ظلم- أخذ في الاعتبار بمعيار الحاجة كأساس للتفاضل في التوزيع وليس عنصرية النوع، فكلما كانت الحاجة إلى المال أشد كان النصيب أكبر، ولعل هذا هو السر في كون «للذكر مثل حظ الأنثيين» في بعض حالات الميراث؛ لما يتحمله من تكاليف مالية في مقدمتها المهر والنفقة؛ فالعطاء على قدر الحاجة هو العدل، والمساواة عن تفاوت مقدار الحاجة هو الظلم. 2020-07-08_10h13_23.jpg

كما شرع الإسلام الزكاة على الدخول والثروات بشرائطها، وهو ما يحقق إعادة تلقائية في توزيع الدخول في المجتمع، وفي الظروف الاستثنائية يتدخل الشرع لحماية الفقراء من الحاجة وحماية الأغنياء من الطغيان، قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7)، وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إعادة توزيع الدخول بالمال الذي أفاء الله به عليه حينما ظهر على بني النضير، حيث قسمه بين المهاجرين، ولم يعطِ أحداً من الأنصار منه شيئاً إلا رجلين كانا فقيرين.

كما فطن الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى العدالة الحالية والمستقبلية في التوزيع فيما يتعلق بأرض السواد في العراق وغيرها، حيث نظر فوجد أن الأراضي المفتوحة تبلغ ملايين الأفدنة، فإذا قام بتقسيمها بين الفاتحين فقط وهم ألوف معدودة تضخمت الملكية في أيدي أفراد قلائل، ولم يجد من بعدهم شيئاً، فأبقى الأرض في يد أهلها وأخذ منهم خراجاً للمسلمين كافة وأجيالهم القادمة، وبذلك رسخ لمفهوم «التنمية المستدامة» قبل أن تعرفها الأمم المتحدة بمئات السنين.

إن إعادة توزيع الدخل والثروة في الإسلام يتجاوز النظام الرأسمالي وعنصريته المالية الذي لا يسمح باستحقاق الثروة أو الدخل المتولد في الاقتصاد إلا لعناصر الإنتاج التي شاركت فيه؛ لأنه يؤمن بأن قوى السوق هي المعيار الوحيد للتوزيع بين الفئات المختلفة، حتى أصبحت الثمرة المرة والنكدة التي أفرزها هذا النظام هي تأجيج نار الصراع الطبقي وإشاعة الكراهية والبغضاء في النفوس المعسرة أو المحرومة من الإنفاق أو من سعة في المال التي أقعدتها ظروف البطالة أو الفقر عن المشاركة في النشاط الاقتصادي، ومن ثم لم تستطع إشباع حاجاتها الضرورية أو أن تنال شيئاً مما يوزع من خلال آلية السوق، التي لا تلبي إلا الطلب المدعوم بالقوة الشرائية الذي يفتقد في حقيقته للمنافسة الشريفة ويتحكم فيه الرأسماليون الكبار.

2020-06-09_11h39_45.jpgلقد عبرت عن هذا الوضع المؤلم مديرة صندوق النقد الدولي «كريستالينا جورجييفا» بتصريحها أن العالم دخل حالة ركود، قد تكون أسوأ من الأزمة المالية العالمية الأخيرة في العام 2008م، وكذلك ما تلاه من تصريحات لكبيرة الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي «جيتا جوبينات»؛ أنه من المحتمل جداً أن يشهد الاقتصاد العالمي هذا العام أسوأ ركود له منذ الكساد العظيم عام 1929م، متجاوزاً ما شاهدناه خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008م.

والواقع أن الكساد حلَّ بدول العالم بسبب الأزمة، وهذا الكساد بطبيعته ليس بقوة واحدة، ولكنه متعدد القوى؛ فهو كالإعصار يتراوح ما بين عادي ومفجع.

فالكساد العادي يحتل المرتبة الأولى، ويسمى كذلك كساد المخزون؛ حيث يمثل جزءاً من دورة الأعمال التجارية، ويحدث حينما يتجاوز العرض الطلب، فتخفض الشركات الإنتاج بصورة حادة إلى أن يباع ما لديها من مخزون، وهذا يمكن علاجه اقتصادياً من خلال تصحيح السوق نفسها بنفسها أو التوجيه غير المباشر للحكومة.

أما الكساد المفجع وهو من الفئة الخامسة، فيحدث عندما ينهار الطلب نفسه؛ أي عندما يتوقف المستهلكون عن الإنفاق وتتوقف الشركات عن الإنتاج، والعلاج الوقتي لذلك هو تدخل مباشر للدولة بضخ سيولة وتخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي، لإحياء النمو على المدى القريب، ويكون هذا الأمر له تبعات أكثر إذا وصل مؤشر الضيق الذي يمثل حاصل جمع البطالة ومعدل التضخم إلى رقم عشري أو ذي خانتين.

وفي المراحل الأولى للكساد والتوقع باشتداد الأزمة، لجأت الدول الغربية ذات الاقتصاديات الكبيرة إلى خفض سعر الفائدة نحو الصفر، ووقف البيع على المكشوف، وضخ سيولة، والتشجيع على الإنفاق، وصرف إعانات اجتماعية، ودعم الشركات حتى لا تقع في براثن الإفلاس، وعمل مراكز الأبحاث ليل نهار، وكان لافتاً للنظر الرجوع كذلك إلى الله تعالى والتسليم بقدرته من خلال هذا الفيروس غير الملموس ولكن فعله ملموس في ربوع الدنيا، حيث سجن الناس في بيوتهم، وأوقف دولاب الإنتاج في دول العالم.

3 سيناريوهات للمواجهة

وتضع الأزمة العالم وشكله في أزمة، فالكل ينتظر الخروج منها، وشكل العالم بعد اجتيازها.

وقد تعددت سيناريوهات الخروج منها، ففي دراسة نشرتها جامعة هارفارد وضعت ثلاثة سيناريوهات لتعافي الاقتصاد العالمي من أزمة فيروس «كورونا» بناء على اعتماد الجامعة على معلومات تاريخية مستخلصة من أزمات مر بها العالم في أعقاب أوبئة مماثلة لـ «كورونا» ومراحل تعافي الاقتصاد العالمي منها.

السيناريو الأول (احتمالية وقوعه «قائمة») يعتمد على تعافي الاقتصاد العالمي في غضون 6 أشهر وفق تعافي الأسواق العالمية الكبرى، انطلاقاً من حدوث صدمة في بداية الأزمة، ثم انتشارها، وأخيراً التعافي في سيناريو يشبه حرف «V" صعوداً وهبوطاً.

بينما يقوم السيناريو الثاني (احتمالية وقوعه "معقولة") على انحدار الاقتصاد ثم تعافيه في سيناريو يشبه حرف "U" صعوداً وهبوطاً، وهو الوجه الآخر للسيناريو الأول، ولكن فترة التعافي أطول من الفترة في السيناريو الأول، وتصل لنحو 9 أشهر.

 أما السيناريو الثالث (إمكانية حدوثه "غير متوقعة") فيبدأ بانحدار في الاقتصاد العالمي بسبب صدمة "كورونا"، ثم يعقبه تعافٍ بصورة بطيئة جداً، ويحتاج هذا السيناريو لحدوثه نحو 18 شهراً.

ورغم استبعاد الدراسة حدوث السيناريو الثالث، لكننا نرى أنه قد يكون هو الأقرب للتحقق، لا سيما في ظل عدم الوصول إلى دواء للعلاج حتى وقتنا هذا.

ولن يكون العالم بعد الخروج من الأزمة كما كان قبلها، ولا يعني هذا وجود تغيير جذري في الشكل الاقتصادي العالمي، أو تغيير مراكز القوى العالمية دفعة واحدة؛ فالتاريخ القريب والبعيد يكشف أن هذا التغيير سيكون تدريجياً.

درس للأمريكيين وغيرهم

إن الخروج من الأزمة لن ينهي العولمة، ولكنه سيضعف من وجود القطب الواحد ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية الذي يتحكم في العالم، الذي غلب عليه التوسع الخارجي، والدخول في حروب وإشعال نار حروب أخرى كان أولى ألا يورط نفسه فيها، وانعكاس ذلك سلباً على اقتصاده ومعيشة الأمريكيين الذين يعرف جلهم الداخل ويجهلون الخارج، وسوف تتعلم أمريكا من هذا الدرس ألا تسلم رقبتها للصين باعتبارها موطن إنتاجها؛ ما سيدفعها إلى البحث عن مواطن جديدة تتسم برخص العمالة أيضاً في المكسيك والبرازيل والهند وإندونيسيا وغيرها، بدل التركيز في موطن وحيد هو الصين.

كما أن هذه الأزمة سيخرج من رحمها دول لو تم التنسيق بينها لأصبح لها قدم في النظام العالمي الجديد، فليست الصين بنظامها الشمولي وحدها مؤهلة، ولا روسيا المنهكة بالتدخل في الدول الأخرى وتركيزها على التسليح مهيأة، فهناك أيضاً دول أمريكا اللاتينية، والهند، والفرصة متاحة كذلك للتكتل التركي الماليزي الإندونيسي الباكستاني لو تم التنسيق بينها بصورة جيدة وانضمت إليها دول إسلامية أخرى؛ فتفعيل تكتلات خارج الوصاية الأمريكية على العالم أمر متوقع، لا سيما أن دول الاتحاد الأوروبي غلبت عليها النزعة المحلية، في تلك الأزمة، وتخلى بعضها عن بعض، وظهر جشع الولايات المتحدة في التعامل معها، وهذا لا يعني تفكك هذا الاتحاد في القريب العاجل بقدر الانكفاء على النفس، وكل هذا يتيح الفرصة لتفعيل نظام المدفوعات الثنائية والمتعددة لإزاحة الدولار تدريجياً وعدم لعبه في الملعب الاقتصادي الدولي وحده كعملة تسويات دولية.

كما أن العالم سيخرج من هذه الأزمة ناقماً على المدرسة «النيوليبرالية» وتوحشها وتقديمها لحركة الاقتصاد على صحة الإنسان؛ فالصحة سوف تكون قبل الربح، كما أن غل يد الدولة بالتدخل في الاقتصاد سيكون مثاراً للسخرية، لا سيما والعالم كله يظهر كيف تدخلت الدول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأن المصلحة الخاصة عجزت عن تحقيق المصلحة العامة تلقائياً باسم اليد الخفية التي هي في حقيقتها يد مشلولة عاجزة عن مواجهة الأزمات.

إن التدخل الحكومي سيفرض نفسه حتماً، ولكنه تدخل بما يحمي مصالح المجتمع، وليس تدخلاً يطرد القطاع العام ويزاحمه، وسيبدو هذا واضحاً في القطاع الصحي الذي سيتقدم القطاعات الأخرى من حيث الاهتمام والاستثمار، فضلاً عن قطاع التعليم والبحث العلمي، إضافة إلى بذل جهد أكبر لتوفير العدالة والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، لا سيما أن هذا المرض لن يخرج من قواميس الطب، وبات على الدول أن تخطط للتعامل معه بصفة مستمرة بعد الخروج من الأزمة.

كما أن دور الحكومة سيصبح أكثر أهمية كذلك في ظل تفاقم الدين العام ومشكلات الموازنة الناشئة عن الديون المرتبطة بتبعات الأزمة والبطالة، وهو ما يضع على الحكومات مسؤوليات جمة، لا سيما في ظل التضخم المتنامي وليد الأزمة، نتيجة لارتفاع أسعار السلع لا سيما السلع الغذائية، وهو ما سوف يؤسس في الدول كذلك لأهمية توفير الأمن الغذائي من خلال الاهتمام بالقطاع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية، وفي مقدمة الزراعات زراعة القمح بدلاً من التركيز في سلع قد تكون ذات ربحية ولكنها تفتقد للبعد الإستراتيجي لتحقيق الأمن الغذائي، لا سيما أن التقارير الدولية تفيد أن نصف سكان العالم سيكونون تحت خط الفقر بعد الانتهاء من الأزمة.

التأثر عربياً

وإذا كان ما ذكرناه يمتد للنظام العالمي ودوله، فإن الدول العربية ليست بعيدة عن هذه النتائج بعد الأزمة، فالدول غير النفطية خسائرها أكبر بالطبع من الدول النفطية، وإن كانت الأخيرة أيضاً معرضة بصورة مباشرة لانخفاض دخلها القومي والانغماس في الانكماش والتقشف بفعل انخفاض سعر النفط، فضلاً عن تبعات الأزمة من تفاقم فاتورة الديون وارتفاع مستويات التضخم والبطالة.

وقد كشفت هذه الأزمة عن عورة النظام الرسمي العربي من خلال التركيز على اقتناء السلاح بدلاً من التوجه نحو تنمية قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي، فضلاً عن قطاع الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية لتوفير غذائها ودوائها، وذلك نتيجة طبيعية لسيادة روح الانقسام والدخول في حروب ومؤامرات من صنع بعضها.

إن الدول العربية إذا لم تغير من نفسها وتستفد من تلك الأزمة فسيغيرها الآخرون، ولن تكون لها قدم في عالم يتشكل بنيانه، إلا بتغيير نهجها وتحقيق الوحدة بينها، والتركيز على إنتاج احتياجاتها، واحترام حرية الرأي وحقوق الإنسان فيها، وخضوع حكامها لإرادة شعوبها.

2020-04-07_15h38_44.jpgكانت أكبر الدول المتضررة من انتشار فيروس «كورونا» الصين وإيران وإيطاليا وإسبانيا، وما زال الأمر بالنسبة لمصر غامضاً، في ظل عدم الشفافية في بداية انتشار الفيروس، ثم التوجه نحو شفافية جزئية، ثم تصريحات مسؤولين دوليين بخطورة الوضع في مصر، وليس آخرهم تصريحات السفير الفرنسي في القاهرة «ستيفان روماتيه»، عبر الحساب الرسمي للسفارة على موقع «تويتر»، إذ قال: إن «أمام مصر أسابيع صعبة، وسيكون أمام إمكاناتها الطبية تحدٍّ صعب»، لافتاً إلى أن البلاد «ستواجه عزلة مثل باقي بلدان العالم بسبب تفشي وباء فيروس كورونا المستجد».

لقد أدت مخاطر هذا الفيروس القاتل إلى إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ على نطاق دولي لمواجهة تفشيه، وقد انتقل تأثيره من القطاع الصحي للقطاعات الاقتصادية، وإذا كان البعض توقع حدوث أزمة مالية عالمية في منبت النظام الرأسمالي، فإن توقعاتهم لا يمكن القول بأنها تحققت في الأزمة الحالية التي بدت نواجذها في دول العالم لا سيما الدول الكبرى منها، فالأزمة هذه تختلف عن أزمة الكساد العظيم في عام 1929م، وأزمة عام 2008م، باعتبار أن شرارتها اشتعلت في القطاع الصحي ثم انتقلت للاقتصاد المالي والحقيقي.

لقد كان من تأثير فيروس كورونا اقتصادياً تحقيق خسائر في كافة قطاعات النشاط الاقتصادي عالمياً، فالبورصات تسابقت في الانهيار، وكساها اللون الأحمر، وتم إغلاق العديد منها للحيلولة دون المزيد من الانهيار، بل إن الذهب الذي يعد الملاذ الآمن تعرض للانخفاض بصورة ملحوظة من أجل حرص الدول والمؤسسات على توفير سيولة لمواجهة الأزمة، كما أن سعر النفط كذلك لم يسلم من الهبوط الحاد، فضلاً عن انخفاض الإنتاج في القطاعات الحقيقية للاقتصاد العالمي.

الطاقة والنقل الجوي 2020-04-07_15h38_58.jpg

ووفق منظمة «ريستاد إنيرجي»، فإنه في أبريل الجاري يمكن أن يتراجع الطلب على الطاقة بأكثر من 11 مليون برميل يومياً، بينما توقع بيت تداول الطاقة (ترافيجورا) تراجع الطلب 10 ملايين برميل يومياً على المدى القصير، وبالنسبة لعام 2020م؛ توقعت وكالة الطاقة الدولية هبوط الطلب على الطاقة بـ730 ألف برميل يومياً، بينما توقع بنك «جي بي مورجان» هبوطه إلى 750 ألف برميل يومياً.

كما تشير تقديرات اتحاد النقل الجوي الدولي إلى أن شركات الطيران العالمية سوف تخسر 113 مليار دولار من مبيعاتها في حال استمرار انتشار فيروس «كورونا»، وأكدت منظمة السياحة العالمية أن خسائر قطاع السياحة على مستوى العالم، بسبب قرارات العديد من الدول بتعليق حركة الطيران نهائياً، بلغت حوالي 62 مليار دولار أمريكي، فضلاً عن شلل بجميع الوجهات السياحية على مستوى العالم.

وقد جاءت التداعيات الاقتصادية لأزمة «كورونا» نظراً لما تمثله الصين من مكانة اقتصادية عالمية، فهي الاقتصاد الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن الإجراءات التي اتخذتها دول العالم لتجنب قدر الإمكان ويلات الفيروس القاتلة.

يزيد ناتج الصين المحلي الإجمالي على 14 تريليون دولار، وتبلغ صادراتها نحو 2.5 تريليون دولار؛ بنسبة 12.5% من صادرات العالم.

وإذا نظرنا إلى أهم القطاعات ذات التأثير المباشر على الصين والدول المرتبطة بها تجارياً، فسنجد أن الصين تستورد 50% من الطلب العالمي من الفولاذ من روسيا وكوريا الجنوبية وتركيا؛ وهو ما يعني فقدان تلك الدول عوائد تلك الصادرات، كما أن التراجع الملحوظ للنفط والتوقع بالمزيد منه في ظل انهيار اتفاق دول «أوبك» على تخفيض الحصة المنتجة، ذات تأثير سلبي على الدول النفطية، ونظراً لأن الصين تستهلك أكثر من 10% من النفط العالمي، لا سيما من المملكة العربية السعودية التي تستورد منها مليون برميل يومياً، والعراق الذي تستورد منه 700 ألف برميل يومياً؛ فإن هذا يعني تحقيق خسائر للدول المصدرة مضاعفة من ناحيتين؛ ناحية السعر بانخفاضه، وناحية الكمية بانخفاض الطلب على النفط كنتيجة طبيعية للظروف القاسية التي تعاني منها الصين من جمود اضطراري لإنتاجها. 

وإذا كانت الصين -وفق منظمة السياحة العالمية- تمتاز عن غيرها بأنها المصدر الأول للسياحة في العالم، حيث بلغ عدد السياح الصينيين للخارج 150 مليون مسافر في العام 2018م، أنفقوا مبلغ 277 مليار دولار؛ فإن هذا يعني فقدان العديد من دول العالم للسياحة الصينية.

كما أنه بنظرة فاحصة إلى التجارة السلعية الإجمالية العربية مع الصين، نجد أنها -وفق بيانات صندوق النقد العربي- بلغت في العام 2018م نحو 1.9 مليار دولار، حيث بلغت الصادرات الصينية للدول العربية مليار دولار، بينما بلغت الواردات 0.9 مليار دولار، كما بلغت الصادرات العربية للصين نسبة 12.5%؛ لتحتل الصين المرتبة الثانية بالنسبة للصادرات العربية بعد الاتحاد الأوروبي، وبلغت الواردات العربية من الصين كذلك نسبة 12.5%؛ لتحتل المرتبة الثالثة بعد الاتحاد الأوروبي والدول العربية الأخرى، وبذلك نجد تأثيراً سلبياً على الجانبين الصيني والعربي بفعل مستجدات هذا الفيروس القاتل، الذي قتل البشر، وأصاب الاقتصاد في مقتل.

الاقتصاد العربي

إن الاقتصاد العربي، للأسف الشديد، من أكثر المتضررين من الأزمة، لا سيما الاقتصاديات النفطية الريعية، وهو ما ينذر بتقليص إنفاقها، وتعرضها لشبح الركود كغيرها من الدول، لا سيما أن الولايات المتحدة الأمريكية -وهي أكبر اقتصاد عالمي- تعاني شبح الركود أيضاً، حتى أبلغ بنك «أوف أمريكا»، أحد أكبر البنوك الأمريكية، مستثمريه بأن اقتصاد الولايات المتحدة دخل مرحلة الركود بسبب تفشي فيروس «كورونا المستجد» (كوفيد-19)، كما نقلت قناة «سي إن بي سي» عن الخبيرة الاقتصادية في البنك الأمريكي «يكي ميشيل ماير»، أن الركود المرصود يمثل «حالة تراجع عميقة» في الاقتصاد، متوقعة أن يتسبب ذلك في «فقدان للوظائف وتدمير للثروات وانهيار الثقة».

وقد واجهت الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، هذه الأزمة الاقتصادية بالعديد من الإجراءات السريعة لتقليل آثارها؛ حيث قررت إدارة «ترمب» حزمة تحفيز بتريليون دولار من أجل امتصاص التداعيات الاقتصادية للفيروس، شملت شيكات بألف دولار للأمريكيين، فضلاً عن 50 مليار دولار لشركات الطيران التي تواجه شبح الإفلاس، و250 مليار دولار قروضاً للشركات الصغيرة، وقد سارت على نهجها العديد من الدول لا سيما بضخ السيولة وتحفيض سعر الفائدة الذي قارب حاجز الصفر في الولايات المتحدة وبريطانيا منذ أيام. 2020-04-07_15h39_13.jpg

وقد جاءت أخيراً تصريحات الطبيب «ميك ريان»، الرئيس التنفيذي في منظمة الصحة العالمية لإدارة برامج الطوارئ، لتكشف عمق الأزمة واستفحالها، حيث وصف الوضع بأنه: «ليس مجرد موسم أنفلونزا سيئ، هناك أزمة صحية تزداد مع وطأة الحاجات المتزايدة، هذا ليس طبيعياً، والأمر سيصبح أسوأ»، وهذا يعكس خطورة هذا الوباء الصحي الذي انتقل إلى جسم الاقتصاد فأصابه بوباء اقتصادي، وتخفيض سعر الفائدة في ظل ظروف هذا الوباء لن يكون وحده حلاً ناجعاً، فالاقتصاد مثل الجسم المريض الذي يرفض نقل دم إليه، ومهما نقلت إليه من دم سيلفظه، فالإنتاج وجانب العرض يحتاج إلى طلب فعال، وهذا الطلب سيكون مركزاً في ضروريات الناس بتلك المرحلة، وسيكون هناك فائض في عرض غيرها من السلع وتوقف دولاب إنتاجها، وهو ما يعني ركوداً لا مناص منه يتوقف تحوله لكساد على وجود علاج لفيروس «كورونا».

ورغم تحسن الوضع الصحي نسبياً في الصين، فإن الواقع والمستقبل يكشفان الحاجة لشهور للوصول إلى علاج لـ»كورونا»، وفق تصريحات مسؤولين سياسيين وعلماء غربيين، وهو ما يعني استمرار أزمة «كورونا» صحياً واقتصادياً، وحاجة الوباء الاقتصادي الناشئ عن وباء «كورونا» إلى المزيد من الوقت للتعافي، وقد يتطلب ذلك التعافي الاقتصادي 3 سنوات إذا ما تم كشف العلاج الناجع لـ»كورونا».

ويبقى بعد ذلك كيفية التعامل مع الأزمة من قبل المستثمرين، فلا مفر لديهم من تنويع استثماراتهم من خلال محفظة متنوعة فهو الأنسب، وفقاً للمثل الإنجليزي «عليك بنشر المخاطر»، أو المثل المعروف «لا تضع كل ما تملكه من بيض في سلة واحدة»، لا سيما والذهب ينخفض، والدولار معرض للانخفاض دولياً بفعل طباعة المزيد منه، وتبقى الأزمة أزمة، والتعامل معها باعتبار أننا في أزمة، والمهم الخروج منها على الأقل بأقل الخسائر.

والله تعالى هو الحافظ وهو أجل وأعلم.

كثيراً ما يهتم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بالبعد المادي لكسب ما يعينهم على متطلبات حياتهم، وهذا في حد ذاته محمدة وأخذ بالأسباب، فالله تعالى أمرنا في كتابه الكريم بالسعي في الأرض، ولم يحملنا همَّ الرزق، فهو من فضله وحده، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: 15)، فالله تعالى يقول: «وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ»، ولم يقل: «كلوا من سعيكم وجهدكم»؛ فالرزق بيده وحده.

كما أنه تعالى سخر ما في الكون جميعاً لخدمة الإنسان، الذي ميَّزه بالتكريم والتسخير والرزق والتفضيل، فقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13)، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70).

يكشف واقع المسلمين اليوم عن تفاوت طبقي ملحوظ، وفقر مدقع موجود، وتكافل بات مفقوداً، في ظل الحصار على كل ما هو إسلامي وطمسه، وتجفيف منابع التمويل النافع للمسلمين لبناء الإنسان الاقتصادي الصالح.

وفي ظل ما يعانيه جل المسلمين في ربوع الأرض، غنيهم وفقيرهم، من كسب مال خال من البركات، أو العيش في شظف الفقر المادي أو المعنوي أو كليهما؛ تبدو الحاجة ملحة للمسلمين لتخطيط حياتهم المعيشية تخطيطاً اقتصادياً يعتمد على ركنين أساسيين للكسب والإنفاق؛ أحدهما مادي باتخاذ الجوانب المادية لتعزيز الدخل وترشيد الإنفاق، والآخر معنوي -وهو المفقود- من خلال تعميق البعد الإيماني لتحقيق البركة الاقتصادية. 2019-10-01_14h32_34.png

والبركة الاقتصادية هي أحوج ما تحتاج إليه جموع المسلمين اليوم، وهي ليست لها حدود، فهي تمثل جوامع الخير والبر، وكثرة النعم، وهي في المال زيادته وكثرته، وفي العلم الإحاطة والمعرفة، وفي البيت سعته وسكينته، وفي الطعام وفرته وحسنه، وفي الوقت اتساعه وقضاء الحوائج فيه، وفي الصحة تمامها وكمالها، وفي العمر طوله وحسن العمل فيه، وفي الأولاد برّهم وحسن أخلاقهم، وفي الأسرة انسجامها وتفاهمها.. إنها بحق شيء غير ممسوك، ولكنها في واقع معيشة الناس لها دور ملموس وملحوظ.

عوامل تحقيق البركة

ومن عوامل تحقيق البركة الاقتصادية في حياة المسلم الحرص على الطاعات، وهجرة المعاصي والآثام، ومن ذلك المسارعة في الصدقات، والبعد كل البعد عن الربا؛ فالله تعالى يقول: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة: 276)، فالربا في ظاهره نماء للمال، وفي باطنه محق لبركته، وهذا عكس الصدقة التي في ظاهرها نقص للمال، وفي باطنها زيادة في البركة والنماء.

كما أنه من أهم جوامع تحقيق البركة الاقتصادية في حياة المسلم الذكر الاقتصادي، الذي يمثل كلمات بسيطة القول غزيرة المضمون موجبة للبركة الاقتصادية، فمن خلال الارتباط الوثيق بالذكر الاقتصادي في حركات المسلم وسكناته، يفتح الله له أبواباً لمضاعفة حسناته، ومحو سيئاته، وإعانته على عمله، وتوسيع أرزاقه، وتحقيق البركة الاقتصادية بصفة عامة في معيشته، قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152)، وفي الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (متفق عليه).  

ومن هنا تبدو أهمية ديمومة الذكر الاقتصادي للمسلم في حياته اليومية، فإذا استيقظ من نومه وتوضأ ابتهل بالدعاء: «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي» (رواه البخاري)، وإذا استقبل يومه بالذهاب لصلاة الصبح ردد: «اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً» (رواه مسلم)؛ فيبارك الله له في بنائه الجسدي والروحي.

فإذا ما انتهى من صلاته فهو في ذمة الله، ففي الحديث: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله» (رواه مسلم)، وما أكرم أن يكون العبد منذ بدء يومه في ذمة ملك كريم يملك الملك والأرزاق.

ثم ما يلبث أن يتوكل على ربه، ويطمع في معافاة جوارحه، وإصلاح شأنه وفقاً لما يقدره خالقه، فيتوجه إلى ربه بأذكار الصباح رافعاً أكف الضراعة إليه سبحانه: «اللهم عافني في بَدَني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت» (رواه أبو داود)، «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت» (رواه أبو داود)، «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كُله، ولا تَكِلْني إلى نفسي طرفة عين» (رواه النسائي).

فإذا تناول بعد ذلك طعامه سعى إلى تحقيق البركة فيه من خلال البدء: «باسم الله» (رواه الترمذي)، والاتجاه إلى الله بالدعاء: «اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه» (رواه الترمذي).

فإذا فرغ من طعامه كان قوله: «الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام وزرقنيه من غير حول مني ولا قوة» (رواه أبو داود)، فإذا ما اتجه لارتداء ثيابه ابتهل إلى الله بالدعاء: «الحَمْدُ لله الذِي كَساني هذا ورَزَقَنِيه مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي ولا قُوةٍ» (رواه أبو داود)؛ فيرزقه خيره، ويصرف عنه شره.

فإذا خرج من بيته انطلق لسانه وقلبه: «اللهُمَ إني أعُوذُ بِكَ أن أَضلَّ أوْ أُضَلَّ، أَوْ أزلَّ أو أُزلَّ، أوْ أظلِم أوْ أُظْلَم، أوْ أَجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» (رواه أبو داود)، «باسم الله، توكَّلْتُ على الله، لا حَوْلَ ولا قُوةَ إلا بالله» (رواه أبو داود)، فيكفيه الله بما يريد، ويقيه ما لا يريد، وينحي عنه الشيطان فلا يعرف له طريقاً.

وإذا دخل إلى موطن عمله كان قوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ولـه الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير» (رواه الترمذي)، فيوقن أن كل شيء بأمر ربه من حياة وموت، وسعة وضيق، فتطمئن نفسه على رزقه وحياته، وأنه لن يأتيه إلا ما قدّره الله له.

ثم إذا ما عاد إلى بيته ذكر ربه فيبارك الله له؛ ففي الحديث: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان أدركتم المبيت» (رواه مسلم).

ثم إذا ما أخلد للراحة والنوم، حمد ربه وأسلم إليه أمره، مبتهلاً بالدعاء: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (متفق عليه).

وهكذا يرتبط المسلم روحياً بربه في أمسه ويومه وغده، وينتقل بالحياة من حوله إلى حول وقوة ربه، حتى إذا ما سافر استعاذ من «سوء المنقلب في المال» (رواه مسلم)، وإذا ما عُرض عليه مال كان قوله لمن يصنع فيه ذاك المعروف: «بارك الله لك في أهلك ومالك» (رواه البخاري)، وإذ شغله دَين يرجو رفعه وقضاءه كان قوله: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عن سواك» (رواه الترمذي)، «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال» (رواه البخاري)، وإذا ما أكرمه الله بسداد دينه كان قوله لمن صنع فيه هذا المعروف: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» (رواه ابن ماجة).     

وإذا أصابه سنة في رزقه كان قوله: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» (رواه البخاري)، «اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير آجل» (رواه الترمذي)، «بسم الله على نفسى ومالي وديني، اللهم ردني بقضائك، وبارك لي فيما قدر، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت» (رواه البيهقي)، «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إن شئت سهلاً» (رواه ابن حبان)؛ فييسر الله أمره ويوسع له في رزقه.

وبذلك يعي المسلم قوله تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى {123} وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى {124} قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً {125}‏ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى {126}) (طه)، وقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» (رواه البخاري).

وبذلك يوازن المسلم بين مقتضيات الحياة في الأرض؛ من عمل وكد ونشاط وكسب، ومقتضيات العبادة لله عز وجل بالذكر الاقتصادي، وأداء ما افترضه الله عليه من الفرائض، والحرص على أداء النوافل؛ فيحيا قلبه، وتتحقق له المقدرة على الاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الأمانة الكبرى التي اختص الله عباده بها.

 

العالم العربي يساهم بـ31% من الكفاءات والعقول التي تهاجر من البلدان النامية نحو الأقطار الغربية 

50% من الأطباء و23% من المهندسين و15% من العلماء العرب يفضلون الهجرة على البقاء في بلدان المنشأ 

الأموال الخليجية المهاجرة نحو 1400 مليار دولار منها 750 ملياراً تخص السعودية وحدها 

يجب السعي لعودة العقول والأموال العربية المهاجرة بإزالة الأسباب التي حالت دون استثمارها داخل أوطانها

 

 

يعد عنصر العمل من أهم عناصر الإنتاج؛ فهو صاحب القدرة على الاستفادة من الموارد الطبيعية، ورأس المال لتوليد السلع والخدمات، وبغير عنصر العمل تبقى عناصر الإنتاج الأخرى مهملة، لا حياة فيها، ولا أهمية لها.
وقد حبا الله سبحانه دولنا العربية بموارد اقتصادية لا حصر لها، ورأسمال لا حدود له، وقوى عاملة تملك من المهارة ما لا تجده في غيرها، ومع ذلك نجد أن العقول المهاجرة ورأس المال المهاجر أصبح ظاهرة مرئية، ولطالما طالب العديد من الوطنيين بعودة العقول والأموال العربية المهاجرة إلى موطنها الأصلي للتعمير والبناء.
لو بدأنا بالعقول المهاجرة، لوجدنا أن هذا الموضوع بالغ الأهمية؛ لقدرة هذه العقول على تطوير البلاد العربية في كافة المجالات، لا سيما وهم عنصر بناء في الحضارة الغربية في ظل وقوف دولنا العربية في صفوف الدول النامية.
وتشير بعض التقارير الصادرة عن «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وجامعة الدول العربية، إلى أن أكثر من مليون خبير واختصاصي عربي يعملون في الدول المتقدمة، من بينهم 450 ألفاً من حملة الشهادات العليا المشتغلين في أمريكا وأوروبا، وأن العالم العربي يساهم بنحو 31% من مجموع الكفاءات والعقول التي تهاجر من البلدان النامية نحو الأقطار الغربية، كما أن نحو 50% من الأطباء، و23% من المهندسين، و15% من العلماء العرب، يفضلون الهجرة على البقاء في بلدان المنشأ العربية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا تستقطب نسبة 75% من العقول العربية الإبداعية المهاجرة.
وفي السياق ذاته، يشير تقرير صادر عن «أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا» بمصر، في يوليو 2015م، إلى أن أكثر من 450 ألف مصري من أصحاب الشهادات العليا اتجهوا قِبلة الغرب خلال الخمسين سنة المنقضية، وأصبح 600 من بين هؤلاء المبدعين المصريين المهاجرين من أبرز العلماء المتألقين بالغرب في اختصاصات دقيقة ونادرة من قبيل علم الفضاء، والنانو تكنولوجيا، وعلوم البحار، والهندسة المعمارية الصديقة للبيئة.
وشهدت مصر بعد ثورة يناير 2011م عودة لبعض العقول المهاجرة لبناء الوطن، ولكنْ وصلت تلك العقول لطريق مسدود بعد الانقلاب العسكري، وعادت أدراجها، ولا يختلف الوضع كثيراً في الدول العربية الأخرى، لا سيما دول الخليج العربي التي تتميز بتوافر رأس المال، وكانت هي الأَوْلى بتوطين تلك العقول المهاجرة، ومنح الجنسية لها، والاستفادة منها، للانتقال من عالم الدول النامية إلى رحاب الدول المتقدمة.
إن العقول العربية المهاجرة ما تركت ديارها إلا لافتقادها للحرية والبيئة العلمية الصالحة، وما يرتبط بذلك من مراكز البحث والحاضنات العلمية، والحراك الوظيفي دون تمييز ملحوظ.
الأموال المهاجرة
وإذا انتقلنا للأموال العربية المهاجرة، فبرغم عدم وجود أرقام دقيقة ومحددة لحجمها وتباين التقديرات الخاصة بها، بسبب تعدد أشكال ومناطق الاستثمارات العربية، إضافة إلى السرية الكاملة التي تحيط بكثير من الحسابات المصرفية الخاصة، فإن معظم الدراسات المالية والاقتصادية تقدر حجم تلك الأموال بما يتراوح ما بين 800 مليار دولار إلى نحو 3 تريليونات دولار!
فقد قدرت «الأمانة العامة لاتحاد المصارف العربية» حجم الأموال العربية المهاجرة للخارج بما يتراوح ما بين 600 - 880 مليار دولار، بينما قدرت «منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية» (اليونيدو) حجم تلك الأموال بنحو 800 مليار، وقدرتها «المؤسسة العربية لضمان الاستثمار» بنحو 1.4 تريليون دولار، ووفقاً لتقرير تطورات المعرفة والتكامل الاقتصادي لدول «إسكوا» لعام 2003م، فإن حجم تلك الأموال يقدر بنحو 1.5 تريليون دولار، وقدرت «الأمانة العامة لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية» الأموال العربية المهاجرة بنحو 2.4 تريليون دولار، بينما قدرت دراسة اقتصادية أجراها «مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية» حجم تلك الأموال بنحو 2.8 تريليون دولار، وذكر تقرير صادر عن «مجلس الغرف التجارية الصناعية السعودية» أن إجمالي الأموال الخليجية المهاجرة نحو 1400 مليار دولار، منها 750 ملياراً تخص السعودية وحدها.
وقد ارتبطت الأموال العربية المهاجرة للأسواق الأمريكية والأوروبية بالطفرة النفطية التي ترتبت على حرب أكتوبر 1973م، وما نتج عنها من فوائض مالية ضخمة لدى الحكومات والأشخاص، خاصة في دول الخليج، حيث أخذ النصيب الأكبر من هذه الأموال طريقه للهجرة إلى خارج البلاد العربية، وذلك لاعتبارات ترتبط تارة بأصحاب الأموال (المستثمرين) ببحثهم عن فرص استثمارية تحقق لهم المواءمة بين الربحية والسيولة والأمان من المخاطر، وتارة أخرى بمناخ الاستثمار في الدول العربية الذي يعتريه العديد من المخاطر السياسية والاقتصادية، ويعاني من القيود والروتين والتعقيدات الإدارية، وغياب الشفافية والإفصاح والثقة وسيادة القانون.
وكل هذا يحتم أهمية السعي لعودة العقول والأموال العربية المهاجرة، وذلك بإزالة الأسباب التي حالت دون استثمار تلك العقول وهذه الأموال بالداخل وأدت إلى هجرتها للخارج، من خلال توفير بنية علمية سليمة، وإيلاء أولوية للبحث العلمي وحاضناته، وتوفير بنية سياسية صالحة وقوية ومنظمة تتحاكم إلى المؤسسات، وينعم فيها الفرد بالحرية والديمقراطية، وتوفير بنية اقتصادية أساسية قوية تدعم الاستقرار الاقتصادي، وتعمل على تحفيز الاستثمار، وتوفر أوعية استثمارية تلبي للمستثمر العربي رغبته في المواءمة بين الربحية والسيولة والأمان من المخاطر، وكذلك توفير بنية أساسية قوية للجوانب الإدارية والتشريعية والتنظيمية تزول معها البيروقراطية والفساد والرشوة، وتتسم بالعدالة.

خواطر اقتصادية من الهدي النبوي
عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، إني أشترى بيوعاً ما يحل لي منها وما يحرم عليَّ؟ قال: «فإذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» (رواه أحمد).
مصطلحات الحديث:
«تقبضه»: تتسلمه.
وتختلف طبيعة القبض وفقاً لنوعية السلع المباعة من كونها عقاراً أو منقولاً، فالقبض في العقار يكون بالتخلية بينه وبين من انتقل إليه الملك، بحيث يتمكن من الانتفاع به الانتفاع المطلوب عرفاً، بينما القبض في المنقول يكون باستيفاء القدر كيلاً أو وزناً، أو بنقله من مكانه إن كان جزافاً، وفيما عدا المقدر والجزاف يرجع في القبض إلى العرف.
الدروس الاقتصادية في الحديث:
1- من علة تحريم بيع السلع قبل قبضها أن البائع إذا باعها ولم يقبضها المشتري فإنها تبقى في ضمانه، فإذا هلكت كانت خسارتها عليه دون المشتري، فإذا باعها المشتري في هذه الحال وربح فيها كان رابحاً لشيء لم يتحمل فيه تبعة الخسارة، ونهى الرسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ربح ما لم يضمن.
2- من علة تحريم بيع السلع قبل قبضها أن المشتري الذي باع ما اشتراه قبل قبضه يماثل من دفع مبلغاً من المال إلى آخر ليأخذ في نظيره مبلغاً أكثر منه، إلا أن هذا أراد أن يحتال على تحقيق قصده بإدخال السلعة بين العقدين فيكون ذلك أشبه بالربا.
3- من علة تحريم بيع السلع قبل قبضها أن ملك السلع قبل القبض ضعيف؛ لاحتمال انفساخ العقد بتلفها، فيكون بيعها قبل قبض المشتري لها لوناً من ألوان الغرر، لاحتمال عدم تمام الصفقة.
4- من علة تحريم الطعام قبل قبضه أن المنع يؤدي لتقليل تداول أيدي التجار للأغذية قبل وصولها للمنتفع بها؛ لكيلا ترتفع أثمانها دون أي إضافة، ويتضرر المشترون لها لسد حاجتهم بها.
_________________
(*) أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم

وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مذكرة خاصة أصدرها، الجمعة الماضية، الممثل التجاري للولايات المتحدة العمل على دفع منظمة التجارة العالمية لإجراء إصلاحات فيما يخص الدول النامية، وذلك بمنع تلك الدول من التمتع بـميزات غير عادلة -حسب قوله- في الساحة التجارية الدولية التي تحصل عليها بسبب مرونة قواعد المنظمة.

وذكر ترمب أن مجموعة من الأعضاء في المنظمة، وهي الإمارات وقطر والكويت وتركيا والصين وهونج كونج وبروناي وماكاو وسنغافورة والمكسيك وكوريا الجنوبية، تصف نفسها بالنامية رغم أنها غنية.

وتوعد ترمب بأنه في حال عدم تحقيق منظمة التجارة العالمية تقدماً جوهرياً في إجراء الإصلاح الخاص بهذا المجال في غضون 90 يوماً، ستوقف الولايات المتحدة تعاملها مع تلك الدول المذكورة باعتبارها نامية، موضحاً أن الولايات المتحدة لن تدعم أياً من هذه البلدان في إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ولم يكتف ترمب بذلك، بل –كعادته- غرد في مساء نفس اليوم على حسابه في موقع "تويتر" قائلاً: "منظمة التجارة العالمية تتعرض للإفلاس بينما تزعم أغنى دول العالم أنها نامية من أجل الالتفاف على قواعد المنظمة والحصول على تعامل خاص"، وأضاف: "يكفي!".

وتابع ترمب: "وجهت اليوم الممثل التجاري للولايات المتحدة لاتخاذ إجراء لوقف مخادعة تلك البلدان للنظام على حساب الولايات المتحدة".

والناظر لهذا القرار يجد أن به ثلاث دول عربية خليجية؛ هي الإمارات وقطر والكويت، واستثنى السعودية رغم عضويتها لمنظمة التجارة العالمية، وهذا القرار يطرح العديد من التساؤلات بدوافعه وتأثيره على الدول العربية سالفة الذكر.

بداية ينبغي معرفة وضع الامتيازات التي تأخذها الدول الثلاث وغيرها من الدول النامية من منظمة التجارة العالمية، فمن المبادئ التي أقرتها اتفاقية "الجات" لتحكم مسيرتها تجاه تحقيق أهدافها: مبدأ المعاملة التفضيلية في العلاقات التجارية للشمال والجنوب: ومضمون هذا المبدأ أن يتكفل النظام التجاري الدولي الذي أقامته "الجات" بتقديم معاملة تجارية تفضيلية للدول الآخذة في النمو كأحد الأعمدة التي ترتكز عليها الإستراتيجية الدولية للتنمية الاقتصادية، وتهدف هذه المعاملة التفضيلية إلى فتح أسواق الدول الصناعية المتقدمة أمام منتجات الدول الأخذة في النمو، وبالتالي زيادة حصيلتها من الصرف الأجنبي اللازم لتمويل برامج التنمية الاقتصادية بها.

كما تهدف إلى تعزيز حماية أسواق الدول النامية، بالسماح لها باعتماد مستويات نسبية أعلى للتعريفة الجمركية مقارنة مع الدول المتقدمة، إضافة إلى اتخاذ إجراءات للحد من الواردات التي تحمل تهديدات بالنسبة للمنتجين الداخليين أو لميزان المدفوعات في تلك البلدان، فضلاً عن تقديم بعض أنواع الإعانات المالية من قبل الحكومة في ظروف خاصة تتعلق بكون هذا الإجراء ضرورياً لضمان خلق الظروف الملائمة للتنمية.

ولكن هل العلاقات التجارية بين دول الخليج الثلاث لها تأثير ملحوظ على التجارة الأمريكية والعكس؟ إن هذا الأمر يتطلب الوقوف على التجارة البينية بينهما، فمن خلال بيانات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي عن التجارة الخارجية السلعية لدول المجلس لعام 2017م، نجد أنه على صعيد التركيب السلعي لأبرز السلع المصدرة والمستوردة، أنه على مستوى الصادرات الوطنية السلعية: شكل النفط ومنتجاته نسبة 79.6% من قيمة الصادرات السلعية وطنية المنشأ لتبلغ نحو 344.3 مليار دولار أمريكي، يليها البلاستك ومصنوعاته بنسبة 5.3%، ثم الذهب والأحجار الكريمة والمواد الكيماوية، والألومنيوم ومصنوعاته، والأسمدة بنسبة 3.4%، و3.0%، و2.6%، و0.7% على التوالي.

وعلى مستوى الشركاء التجاريين لإجمالي الصادرات السلعية: احتلت اليابان المرتبة الأولى من بين أهم الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون من حيث إجمالي الصادرات السلعية، حيث شكلت ما نسبته 12.8% من إجمالي الصادرات السلعية لمجلس التعاون إلى الأسواق العالمية بقيمة بلغت نحو 68.8 مليار دولار أمريكي، فيما جاءت الصين المرتبة الثانية بنسبة 12.5%، تليها الهند وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وسنغافورة بنسبة 11.3%، 9.6%، 6.0%، و5.5% على التوالي.

وتعتبر هذه الدول أكبر الدول المستوردة للنفط الخام والغاز الطبيعي من دول مجلس التعاون.

وعلى مستوى الواردات السلعية: استأثرت الآلات والأجهزة الكهربائية على نسبة 15.4% من قيمة إجمالي واردات مجلس التعاون السلعية؛ أي ما يقارب 69.5 مليار دولار أمريكي، ويليها في المرتبة الثانية الآلات والمعدات الآلية بنسبة 13.8% من إجمالي قيمة واردات دول مجلس التعاون السلعية، ثم الذهب والأحجار الكريمة، والسيارات ، والطائرات وأجزاؤها، ومصنوعات الحديد والصلب بنسبة 12.7%، 10.0%، 3.2%، 2.6% على التوالي.

وعلى مستوى الشركاء التجاريين في الواردات السلعية: احتلت الصين المرتبة الأولى من بين أهم الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون من حيث إجمالي الواردات السلعية، حيث شكلت ما نسبته 18.0% من إجمالي الواردات السلعية لدول مجلس التعاون بقيمة بلغت نحو 80.9 مليار دولار أمريكي، فيما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بنسبة بلغت 11.7%، تليها الهند وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية بنسبة 6.9%، 5.6%، 5.4%، 3.6% على التوالي من قيمة إجمالي الواردات السلعية لدول مجلس التعاون من الأسواق العالمية.

ومن خلال هذه البيانات، يتبين أن التبادل مع الصين واليابان والهند مثَّل ما نسبته 33.8% من تجارة دول مجلس التعاون الخليجي، وأن النفط والغاز هما أهم الصادرات لدول المجلس ذات الاقتصاد الريعي، وهما في خارج إطار عمل اتفاقية "الجات"، كما يتبين أن الولايات المتحدة تأتي في سلم الأولويات المتأخرة من الصادرات السلعية للدول الخليجية، وفي الواردات السلعية تأتي في المرتبة الثانية، ولما كانت الدول الخليجية بما فيها الإمارات والكويت وقطر لا تمثل الضرائب الجمركية عندها أهمية كبرى، فإن ضرر السلع الأمريكية من التعريفة الجمركية أمر ليس من الأهمية بمكان.

وكل هذا يعكس أن القرار الأمريكي لن يكون ذا تأثير اقتصادي كبير بصورة مباشرة على الإمارات والكويت وقطر بقدر ما هو وسيلة من وسائل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ورسالة كذلك إلى تركيا وغيرها، وفي الوقت نفسه هو وسيلة ابتزاز للدول الخليجية الثلاث.

أما التهديد الأمريكي بتنفيذ السياسة التي يريدها منفرداً مع تلك الدول في غضون 90 يوماً، فهو أمر مخالف للقوانين الدولية وترسيخ للفوضى ولغة القوة وإهدار لمنظمة التجارة العالمية ونظامها وأهدافها التي في مقدمتها نشوء عالم اقتصادي مزدهر يتمتع بالسلام ومسؤول بصورة أكبر، من خلال نموذجية اتخاذ القرارات في المنظمة بإجماع الدول الأعضاء والتصديق عليها بواسطة برلمانات الدول الأعضاء، والاعتراض بخصوص الخلافات التجارية عن طريق آلية فض المنازعات الخاصة بالمنظمة.

يعد مصطلح السياحة الإسلامية من المصطلحات المعاصرة التي باتت تلقى قبولاً عالمياً باسم «السياحة الحلال»، باعتبار هذه النوعية من السياحة تخضع لمعايير إسلامية، حيث تلتزم الفنادق والمنتجعات السياحية بعدم تقديم أي برامج أو وجبات أو أنشطة مخالفة للشريعة الإسلامية، وفي مقدمة تلك الممنوعات الخمور وصالات لعب القمار وأندية الديسكو والشواطئ أو حمامات السباحة المختلطة ونحوها.

شهدت السياحة الإسلامية نمواً ملحوظاً على المستوى العالمي في السنوات الأخيرة، فهي تُعَدُّ أحد أسرع القطاعات السياحية نمواً في العالم، حيث شكّلت نسبة 10% من إجمالي قطاع السفر العالمي.

وأشار تقرير المؤشر العالمي للسياحة الإسلامية للعام 2018م -وهو تقرير خاص بمعايير السياحة الإسلامية ويصدر بشكل سنوي عن شركة «ماستركارد» و»كريسنت ريتنغ» المتخصصة بالسياحة الإسلامية ومقرها سنغافورة- إلى أن ماليزيا احتلت المرتبة الأولى في المؤشر العالمي للسياحة الإسلامية للعام 2018م، تليها إندونيسيا ثم تركيا فالسعودية فالإمارات فقطر، وذلك في القائمة التي تشمل 130 وجهة سياحة في العالم.

وقد تم هذا التقييم وفقاً لاعتبارات تقديم الطعام الحلال وتخصيص قاعات للصلاة في المطارات والمراكز التجارية والفنادق، ووضع إشارة دالة على اتجاه القبلة فيها، والمبادرات التسويقية إلى جانب استقبال الزوار والوافدين.

كما أشار التقرير إلى أن عدد المسافرين المسلمين وصل إلى 140 مليون مسافر، وأن هذا الرقم يتوقع أن يصل إلى 168 مليون مسافر بحلول العام 2020م، و230 مليوناً بحلول العام 2026م، كما ذكر التقرير أن المسلمين المسافرين سينفقون 180 مليار دولار بحلول عام 2026م لشراء تذاكر السفر عبر الإنترنت، وأن مساهمة السياحة الحلال في الاقتصاد العالمي من المتوقع أن تقفز بنسبة 35% بحوالي 300 مليار دولار عام 2020م مقارنة بـ220 مليار دولار في العام 2016م.

أسواق الحلال

ولعل الشيء اللافت للنظر هو عدم اقتصار السياحة الإسلامية على الدول الإسلامية، بل عرفت تلك النوعية من السياحة طريقها للدول الغربية، فقد انتشرت في أوروبا خلال السنوات الأخيرة تجارة المواد الغذائية المصنعة وفقاً للمعايير الإسلامية (أسواق الحلال)؛ تلبية لحاجة الجاليات المسلمة المقيمة فيها، كما ظهرت الفنادق التي لا تقدم خدمات محرمة إسلامياً لتلبية طلبات السياح المسلمين.

وأشارت دراسة لمركز «بيو» الأمريكي إلى أن أوسع أسواق الحلال توجد في ماليزيا وإندونيسيا والشرق الأوسط، أما في أوروبا؛ فإن أوسعها يقع في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وبحسب هيئة الرقابة والترخيص لمنتجات الحلال في أوروبا ومقرها «روسلسهايم» الألمانية؛ فإن 400 شركة في ألمانيا توفر منتجات حلال إسلامية، ويوجد أكثر من أربعة آلاف منتج إسلامي في السوق الأوروبية.

كما أنه نظراً لأهمية الشريحة المسلمة في السياحة وما تمثله السياحة الإسلامية من مستقبل واعد، استضافت أوكرانيا عام 2015م أول مؤتمر عالمي بشأن السياحة الحلال، في محاولة منها لاستقطاب المزيد من السياح المسلمين من ناحية، ومنافسة الدول الإسلامية في هذه النوعية من السياحة، وفي فرنسا أقيمت فنادق للسياح المسلمين سواء للأوروبيين من أصول عربية وإسلامية، أو المقيمين بأوروبا ممن يواجهون أزمة كبرى كل عام في إيجاد أماكن يقضون بها عطلتهم الصيفية تنسجم مع خصوصيتهم الدينية.

إن هذا التوجه العالمي نحو السياحة الإسلامية هو فرصة للدول الإسلامية لتنمية مواردها السياحية وفتح الباب للشعوب غير الإسلامية للتعرف على الإسلام وما يرسخه من أخلاقيات تتواءم والفطرة السليمة، لا سيما وأن السياحة أصبحت من المؤشرات المهمة في توفير العملة الصعبة وتشغيل عدد كبير من العمالة، حتى أصبح قطاع السياحة صناعة قائمة بذاتها، بل وتعتمد عليه العديد من دول العالم كمصدر رئيس لدخلها، وتعتمد عليه كذلك القطاعات الاقتصادية داخل الدول لتسويق منتجاتها بما يحتاجه قطاع السياحة من سلع وخدمات تنتجها تلك القطاعات.

إن الإسلام كدين عالمي حثَّ على التعارف مع الآخرين، والكشف لهم عن معدن هذا الدين الثمين، ولم يكن دخول دول جنوب شرق آسيا في الإسلام إلا من خلال سياحة الضرب في الأرض التي قام بها التجار المسلمون الأوائل؛ ففتح الله قلوب أهل تلك البلاد للإسلام بأخلاق هؤلاء التجار التي مثلت دروساً عملية وواقعاً معيشاً يراه أهل تلك البلاد بأنفسهم.

فما أحوجنا إلى المزيد من دعم السياحة الإسلامية لا سيما ما يتعلق بالسياحة العلاجية التي باتت عنصراً مهماً وجذاباً في عالم السياحة اليوم، وخاصة أن الدول الإسلامية بها من المنتجعات والموارد الطبيعية ما يجعلها بؤرة للعالم في العلاج الطبيعي والترفيه والتدبر والتفكر في آيات الله تعالى.

يستقبل المسلمون شهر رمضان، ذلك الشهر الكريم الذي جمع الله فيه خصال الخير كلها، فهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، وهو شهر تحيط به البركات في نهاره وليله، وهو بحق فرصة للوقوف مع النفس بما يحمله من جوانب تربوية، وفي القلب منها التربية الاقتصادية.

الأسرة، باعتبارها نواة المجتمع وقوامه، في أحوج ما تكون في رمضان لترتيب أوراقها الاقتصادية، والاستفادة من هذا الشهر الكريم في تحقيق تربية اقتصادية رشيدة قوامها ترشيد الاستهلاك وتدعيم الادخار.

فالواقع يكشف أن الأسر المسلمة تعاني من الاستهلاك المفرط في رمضان، فقد كشفت أكثر من دراسة أن أكثر من 45% من الوجبات التي يتم إعدادها تذهب إلى صناديق القمامة، لا سيما في دول الخليج العربي، كما تشير العديد من الإحصاءات إلى أن الاستهلاك في رمضان يرتفع بنسبة تتراوح بين 10 و40% عنه على مدار السنة.

والمشكلة لا تتوقف على زيادة الاستهلاك فقط، بل تمتد إلى أن هذا الاستهلاك مصدره غالباً الاستيراد من الخارج؛ حيث تعاني الدول الإسلامية في جلها من وجود فجوة غذائية؛ وهو ما يعني بالطبع تبعية غذائية، وهذا من أخطر التحديات التي تواجه الدول الإسلامية، فتلك الدول تخضع لتحكّمات المتبوع الذي يمتلك الغذاء ويستطيع أن يتحكم في نوعيته وجودته ووقت إرساله، ومن ثم كان للاستهلاك أبعاد خطيرة كثيرة تهدد حياتنا الاقتصادية وتهدد أيضاً أمننا الوطني.

إن الواقع يكشف أن الأسر المسلمة –للأسف الشديد- جعلت من رمضان موسماً سنوياً للإسراف، من خلال تهافتها على الأسواق؛ لشراء ما لذّ وطاب من الطعام والشراب بصورة مبالغ فيها، وهذا سلوك منافٍ لحكمة الصوم، مناقضٌ لحفظ الصحة، معاكسٌ لقواعد الاقتصاد؛ فالمنطق الرياضي يشير إلى أن رمضان شهر الاقتصاد، فنسبة الاستهلاك في رمضان ينبغي أن تنخفض بمقدار الثلث، باعتبار تخفيض عدد الوجبات من ثلاث وجبات في الأيام العادية إلى وجبتين في ذلك الشهر الكريم.

إننا لا ننكر أنه من حق الأسر المسلمة أن تفرح بقدوم رمضان، وتزيد من مواطن الكرم فيه، ولكن هذا الفرح يجب ألا يحولها إلى أسرة مسرفة، متكاسلة عن العبادة، ومضيعة لقيمة البركة التي يتميز بها هذا الشهر عن غيره من شهور العام، وهو ما يتطلب الحفاظ على قيمة هذه البركة من خلال امتلاك الأسرة المسلمة إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابها في هذا الشهر الكريم، وتحقيق التربية الاستهلاكية من خلال القاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة على المستوى الفردي والمستوى العام: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31).

أكلما اشتهيت اشتريت؟!

إن رمضان فرصة للأسر المسلمة لصياغة نمط استهلاكي رشيد وفريد، والتدريب بصورة عملية لمدة شهر على القدرة على المعيشة بإلغاء استهلاك بعض المفردات في حياتها اليومية ولساعات طويلة كل يوم، وذات يوم أوقف عمر بن الخطاب ابنه عبدالله، رضي الله عنهما، وسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال عبدالله: للسوق، وبرر ذلك بقوله: لأشتري لحماً اشتهيته، فقال له الفاروق: أكلما اشتهيت شيئاً اشتريته؟!

كما كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطر على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى حسواتٍ من ماءٍ، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ رمضان ترويضاً وتربية للنفس، لا كما نفعل نحن من تخمة أنفسنا بالملذات من مآكل ومشارب، تحرك الجوارحَ إلى المعاصي، وتثقلُها عن الطاعات، وتستهلك الأموال، وتضيع الأوقات في الأسواق.

إن من المسلّمات الاقتصادية أن زيادة الاستهلاك تضر ضرراً بليغاً بالادخار؛ ومن ثم بالتكوين الرأسمالي بالمجتمع، باعتبار الدخل القومي محصلة الاستهلاك والادخار، وأن الادخار يتوجه نحو الاستثمار، وتقوم عملية الادخار على دعامتين أساسيتين، هما: القدرة الادخارية، والرغبة الادخارية، فالقدرة الادخارية هي قدرة الفرد على ادخار جزء من دخله، وهي لا تتوقف على حجم الدخل المطلق، بل تختلف من فرد إلى آخر وفقاً لنظام معيشته وسلوكه وتصرفاته، وتتغير بتغير ظروف كل فرد، أما الرغبة الادخارية فهي مسألة تربوية تقوى وتضعف تبعاً للدوافع المحفزة للادخار، ومدى تأثر الفرد بهذه الدوافع وفقاً للبيئة المحيطة.

تربية ادخارية

ويقوم الادخار في الإسلام على ركنين أساسيين، هما: الكسب الطيب الحلال في ضوء استطاعة الفرد وقدراته وطاقاته، والاقتصاد والتدبير في النفقات بصورة متوازنة دون إسراف أو ترف أو تقتير، مع مراعاة الأولويات الإسلامية في الإنفاق من ضروريات وحاجيات وتحسينات، ومراعاة حق الله في الزكاة وما تيسر من الصدقات، وادخار ما تبقى من دخل بصورة معتدلة ومتوازنة في قضاء الحاجات بين الحاضر والمستقبل.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية الوسطية والتوازن في قوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً {29}) (الإسراء)، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً {67}‏) (الفرقان).

وبذلك ينبغي للأسرة المسلمة الاستفادة من رمضان من خلال تربية ادخارية رشيدة جنباً إلى جنب مع تربية استهلاكية رشيدة، باعتبار أن الادخار يمثل وسيلة مهمة لرفع مستوى دخل الأسرة حال توجيهه للاستثمار، وهو صمام أمان والعاصم لها بعد الله عز وجل في كثير من الأزمات، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرأ اكتسب طيباً، وأنفق قصداً، وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته» (متفق عليه).

الأحد, 07 أبريل 2019 08:23

الاقتصاد.. والصحة النفسية

ترى منظمة الصحة العالمية أن الصحة النفسية جزء أساسي لا يتجزّأ من الصحة، وفي هذا الإطار ينص دستورها على أنّ «الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز»؛ فالصحة النفسية ليست مجرّد غياب الاضطرابات النفسية، بل هي حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة والتكيّف مع حالات التوتّر العادية، والعمل بشكل منتج ومفيد، والإسهام في مجتمعه المحلي.

أبرزت منظمة الصحة العالمية محدّدات الصحة النفسية من خلال عوامل اجتماعية ونفسية وبيولوجية متعددة يرجع إليها الدور الرئيس في تحديد مستوى صحة الفرد النفسية في مرحلة ما. وذكرت مثالاً على ذلك بالضغوط الاقتصادية، حيث تعد من المخاطر التي تحدق بالصحة النفسية للأفراد والمجتمعات المحلية، وفي مقدمة ذلك ما تعكسه مؤشرات الفقر، وما يتعرض له الأفراد من ظروف العمل المجهدة.

وقد أظهرت دراسة لمنظمة الصحة العالمية بالتعاون مع البنك الدولي نشرتها “المجلة الطبية الدولية” (لانسيت) للطب النفسي في جنيف، أنه في حالات الطوارئ يتأثر واحد من كل خمسة أشخاص بالاكتئاب والقلق، وأن الاكتئاب واضطرابات القلق يكلفان الاقتصاد العالمي تريليون دولار سنوياً. 7-4-1.jpg

كما أشارت الدراسة إلى وجود ارتباط بين الصحة النفسية والاقتصاد، وأن كلاً من الصحة والاقتصاد يستفيدان من الاستثمار في العلاج النفسي للأمراض العقلية الأكثر شيوعاً على مستوى العالم، فعلاج الاكتئاب والقلق يخلق شعوراً جيداً بالصحة والرفاهية، وهذا قرار سليم من الجانب الاقتصادي، وكل دولار يُستثمر في توسيع نطاق علاج الاكتئاب والقلق يعود بأربعة دولارات على جودة الصحة والقدرة على العمل، وذلك سبب تحسن حالة المريض الصحية وارتفاع قدرته على العمل.

وحذرت الدراسة من أن عدم إيجاد حلول سريعة وفاعلة لهذا الواقع سيكلف 12 مليار يوم عمل (50 مليون سنة)؛ بسبب الأمراض العقلية عام 2030م، وبحسب معطيات الدراسة؛ فإن الكثير من الدول تحجم عن الإنفاق على المرضى النفسيين بشكل كاف، إذ تستخدم حكومات عدة 3% فقط من متوسط إجمالي الميزانية المخصصة للصحة لديها لمصلحة علاج هذه النوعية من الأمراض.

ارتباط وثيق

إنه مما لا شك فيه أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الصحة النفسية والاقتصاد، حتى يمكن القول: إن إنتاجية الفرد تتناسب طردياً مع صحته النفسية، فكلما ارتفعت الصحة النفسية للفرد ارتفعت إنتاجيته، والعكس صحيح، وهو ما يندرج تأثيره إيجاباً أو سلباً على الاقتصاد بحسب الأحوال.

كما أن معاناة المجتمع من البطالة والفقر تمثل عاملاً رئيساً في الإصابة بالأمراض النفسية واضطراباتها التي يمثل استمرارها عجز الفرد عن بلوغ إنتاجيته المأمولة نوعاً وكماً، وهو الأمر الذي يعرض المجتمع إلى خسارة اقتصادية تستنزف الاقتصاد من ناحيتين؛ الأولى: انخفاض إنتاجية الفرد بل وانعدامها، والثانية: ما يتكبده الفرد والدولة من علاج نفسي، وهو ما يجعل المجتمع يتحمل أعباء مالية إضافية، وهو ما يزيد من ارتفاع فاتورة الخسائر الاقتصادية.

إن تدهور الصحة النفسية للفرد إذا كانت تؤثر سلباً على الاقتصاد فإنها من ناحية أخرى تدفع بالفرد إلى المزيد من التدهور النفسي، وهو ما يندرج سلباً على الاقتصاد مرة أخرى، حيث إن تدهور صحة الفرد النفسية ستضعف من قدرة الفرد على العمل وحسن متابعته، ومن ثم سيترتب على ذلك ضعف مواظبته على الحضور، بل وربما فقدان عمله، ووقوعه فريسة الفاقة والحاجة، ويفتقد المجتمع لإنتاجيته وعناصر نموه وإنتاجه، وفي الوقت نفسه تزداد حالة الفرد النفسية سوءاً نتيجة هذا العوز والحاجة.

الإسلام.. والصحة النفسية

والناظر إلى المنهج الاقتصادي الإسلامي يجد حرصه على تحقيق الصحة النفسية للفرد؛ فقوام هذا المنهج الموازنة بين الجوانب المادية والمعنوية؛ ﴿فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ٣ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۢ ٤﴾ (قريش)، وقد ربط الله تعالى المسلم بذكره حتى يطمئن قلبه وتتحقق له السكينة النفسية؛ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨﴾ (الرعد)، ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ﴾ (الفتح: 4)، وجعل اتباع هداه من عوامل الراحة النفسية؛ ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨﴾ (البقرة).

كما فرض على المسلم خمس صلوات في اليوم تحقق له الأمن النفسي وتزيح همه وغمه، كما جعل الإيمان بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره عاملاً للاستقرار النفسي، فإذا كان الأخذ بالأسباب واجباً، فإن النتيجة مهما كان وضعها فهي خير لصاحبها؛ ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢١٦﴾ (البقرة)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (رواه مسلم)، وهو في كل أحواله يستمد قوته من إيمانه بربه والتسليم لأمره واللجوء إليه؛ "احفَظِ اللَّهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدهُ تُجاهَكَ، إذَا سَألتَ فاسألِ اللَّهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، وَاعلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت على أن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ، لَم يَنفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ، قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجتَمَعُوا على أن يَضُرُوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ، قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وَجَفَّتِ الصحُفُ" (رواه الترمذي).

فالله تعالى قريب منه؛ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦﴾ (البقرة)، ومن ثم لا يعرف لليأس سبيلاً؛ ﴿وَلَا تَاْيۡسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡئسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧﴾ (يوسف)، كما أن تعامله مع مجتمعه قائم على التعاون والتسامح والتراحم؛ ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥﴾ (فصلت)، وكل ذلك يحقق له في حياته اليومية استقراراً نفسياً.

وختاماً، فإن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة البدنية؛ فهما وجهان متكاملان، ومن ثم تبدو أهمية سعي الدول الإسلامية لتعزيز الصحة النفسية من خلال التكريم الذي ميز به الله تعالى الإنسان، ذلك التكريم الذي يتطلب تهيئة الظروف المعيشية والبيئية المناسبة لاعتماد أنماط حياة صحية والحفاظ عليها من خلال حماية الحقوق الإسلامية المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للفرد، ودمج مسألة تعزيز الصحة النفسية في السياسات والبرامج الحكومية لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم، مع تعزيز دور مؤسسات المجتمع وتكاملها مع مؤسسات الدولة لتحقيق الصحة النفسية في المجتمع.

(*) أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم

تمثل المشكلة الاقتصادية أساس ومبنى علم الاقتصاد الوضعي، وقد عكس ذلك الاقتصادي البريطاني الشهير “ليونيل روبنز” (Lionel Robbins) -الذي ينتمي للمدرسة التقليدية- في تعريفه لعلم الاقتصاد بأنه: “دراسة السلوك الإنساني كحلقة اتصال بين الأهداف والحاجات المتعددة، وبين الوسائل النادرة ذات الاستعمالات المختلفة”.

فالمشكلة الاقتصادية في أي مجتمع من المجتمعات تتمثل في عدم القدرة على إشباع جميع الاحتياجات البشرية، ويرجع هذا أساساً إلى الندرة النسبية للموارد الاقتصادية، فلو توافرت الموارد الاقتصادية دائماً وبالقدر المطلوب لإشباع الاحتياجات البشرية إشباعاً تاماً لزالت المشكلة الاقتصادية تماماً.

تمثل الموارد الاقتصادية عناصر الإنتاج التي يمكن أن تسهم في العملية الإنتاجية، وتضم الموارد الطبيعية والموارد البشرية والموارد المصنعة أو رأس المال، بينما تمثل الحاجة شعوراً بالحرمان يلح على صاحبه، وهي المحرك الرئيس للطلب على السلع، ويقصد بالسلع هنا السلع الاقتصادية التي لها ثمن فهي السلع النافعة والموجودة بشكل نادر، ولا يمكن الحصول عليها مجاناً، بل يحتاج الحصول عليها إلى تكاليف، وهذا بعكس السلع الحرة التي تمثل الأشياء النافعة الموجودة في الطبيعة بشكل غير محدود، حيث إن استخدامها لا تترتب عليه أي تكاليف (مثل الماء والهواء وأشعة الشمس)، فهذا النوع من السلع يكون خارج نطاق علم الاقتصاد.

ويجعل الفكر الاقتصادي الغربي من ندرة الموارد وتعدّد وتجدد الحاجات أساس المشكلة الاقتصادية، ومن ثم يحاول استخدام النظريات والقواعد الاقتصادية المختلفة لإشباع أكبر قدر ممكن من الحاجات والرغبات الإنسانية عبر استخدام الموارد الاقتصادية المتوافرة التي يصف وجودها بالندرة النسبية. 10-3.jpg

وهذه الرؤية الغربية للمشكلة الاقتصادية صاغها مفكرو الغرب وفق رؤيتهم الاقتصادية الرأسمالية المنبثقة عن وجهة نظرهم وقاعدتهم الأساسية في التفكير، وقد تبعهم في ذلك واقتدى بهم فيه جلّ من كتب في الاقتصاد من المسلمين، دون النظر العقلي والشرعي لتلك المشكلة.

وتتعدد النظرة للمشكلة الاقتصادية ما بين مؤيد لوجودها، ومعارض، وفي الوقت نفسه يختلف المؤيدون في تفسيرها.

وتطرح المشكلة الاقتصادية ثلاثة أسئلة أمام كل مجتمع، والإجابة عنها تكون في مجموعها الأركان الرئيسة لحل المشكلة الاقتصادية وتقاس كفاءة أي نظام اقتصادي وفاعليته بمدى صحة إجابته عن هذه الأسئلة، وهي: ماذا ننتج من السلع والخدمات كماً وكيفاً؟ وكيف ننتج تلك السلع والخدمات؟ ولمن ننتج تلك السلع والخدمات؛ أي ما معايير توزيعها في المجتمع؟

وتختلف النظرة للمشكلة الاقتصادية من وجود موارد محدودة نسبياً في مواجهة حاجات متعددة ومتزايدة وفقاً للمذهب الاقتصادي السائد، فالنظام الرأسمالي ينظر للندرة النسبية في الموارد أو بما سماه «شح الطبيعة» على أنه جوهر المشكلة الاقتصادية، وصور الإنسان على أنه في صراع مع الطبيعة من أجل البقاء.

وفي هذا الاتجاه، ظهرت في القرن الثامن عشر نظرية الاقتصادي الإنجليزي الشهير «مالتوس» في السكان، التي ادعى فيها أن العالم لا بد أن يشهد كل ربع قرن ما يشبه المجاعة، وذلك نتيجة ميل سكانه للزيادة وفق متوالية هندسية، بينما يميل الغذاء إلى الزيادة بحسب متوالية عددية، ومن ثم فإن وجود فجوة بين السكان والموارد الغذائية أمر لا مفر منه، وازدياد هذه الفجوة اتساعاً بمرور الزمن أمر لا فكاك عنه.

وقد توصل «مالتوس» لحل ينافي الفطرة الإنسانية للمشكلة الاقتصادية من خلال مطالبته بالعزوف عن الزواج أو تأجيله بهدف الحد من الزيادة السكانية، وإلا فإن الطبيعة ستحصد الرؤوس الزائدة من خلال الأمراض والأوبئة نتيجة سوء التغذية، أو بالحروب نتيجة للتصارع على الموارد الغذائية.

أما النظام الاشتراكي فاعتبر جوهر المشكلة الاقتصادية في التناقض بين شكل الإنتاج الجماعي وعلاقات التوزيع الفردية، فـ»ماركس» يرى أن النظام الرأسمالي يتعرض للمشكلات الاقتصادية نتيجة للشكل الجماعي للإنتاج، حيث إن الجميع يعملون وينتجون بينما علاقات التوزيع فردية، حيث إن الذي يتولى التوزيع جهاز الثمن، أو بعبارة أخرى أصحاب الملكيات الخاصة من ملاك الثروات وأرباب الأعمال، وبالتالي فإن العمال لا يأخذون نصيبهم الحقيقي من الإنتاج، بل يحصلون فقط على حد الكفاف، ويأخذ الرأسماليون فائض القيمة. 10-3-1.jpg

واتخذت الاشتراكية أيضاً حلاً للمشكلة الاقتصادية ينافي الفطرة الإنسانية، من خلال تحويل نظام التوزيع إلى نظام جماعي، وذلك بإلغاء الملكية الخاصة من خلال التأميم وإحلال الملكية العامة محل الملكية الخاصة، ومن ثم إحلال الدولة إحلالاً تاماً وكاملاً محل جهاز الثمن.

والمنهج الاقتصادي الإسلامي يرفض هذا وذاك، فالموارد سخّرها الله تعالى بقدر البشر كماً وكيفاً، وجعل الملكية الخاصة ملكية نظيفة وحقاً مشروعاً ينمو في حضن القيم الإيمانية، والمشكلة الاقتصادية مرجعها إلى سلوك البشر وبُعدهم عن تنفيذ أوامر الله، وتجنب ما نهى عنه سواء بدعوته لعباده بالسعي في الأرض واكتشاف ما بها من موارد أو تهذيب الحاجات بالقيم الإسلامية وتحقيق العدالة في التوزيع. 

إن الله عز وجل خلق من الموارد ما يكفي بني آدم، وحثهم على استغلال الموارد أفضل استغلال، فهي في المقام الأول أمانة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في الماء ولو كان الإنسان على نهر جار، فقد روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَف؟»، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جارٍ» (رواه ابن ماجه).

والمشكلة الاقتصادية بما تعكسه من ندرة الموارد بالنسبة للاحتياجات البشرية هي واقع لا يمكن إنكاره، ولكنها لم تحدث بشح الطبيعة، بل ترجع لسلوك بني آدم، نتيجة لما اتسم به هذا السلوك من الجور والأثرة والأنانية والجشع وبطران النعمة.

فالإنسان هو الذي يقوم بالحروب التي تحصد آلاف البشر وتدمر الموارد تدميراً، والإنسان هو الذي يلوث البيئة من حوله ويفسد المناخ والموارد، والإنسان هو الذي يستعمر البلاد ويقطع أوصالها إرباً ويستغل مواردها استغلالاً سيئاً، والإنسان هو الذي يأكل المال بالباطل من خلال الربا والمقامرة والغش والتدليس والخديعة والغرر والنجش والاحتكار ويبني مملكته من المال الحرام على أجساد ودماء المحتاجين والعوام، والإنسان هو الذي يوقع نفسه في شراك الأزمات الاقتصادية ببنائه هرماً مقلوباً من الديون على حساب ما يمتلكه من أصول، والإنسان هو الذي يبطر بنعمة الله حتى وصل ببعض الدول إلى منع الإنتاج أو تدمير الفائض حفاظاً على السعر، في حين أكثر من مليار في العالم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، والإنسان هو الذي يبخل بحق الله في المال من زكاة وصدقات فيحول بين حق الله في المال ومستحقيه، ويحول كذلك دون إعادة توزيع الدخول.

والإنسان هو الذي يركن للكسل والخمول ولا يمشي في مناكب الأرض ليستخرج خيرها ونيل رزقها، ثم يأتي بعد ذلك من يدعي شح الطبيعة! صدق الله وكذب هؤلاء، حقاً: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤﴾ (إبراهيم).

 

___________________________________

(*) أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح زعيم.

الصفحة 1 من 9
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top