د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 11 يونيو 2019 13:02

تكرار ابتزاز العمالة السنوية

تقوم الحكومة مشكورة بتوفير العمالة في جميع مرافق الدولة، من فراشين وحراس ومراسلين (بورتر) وسواق.. وغيرها من الوظائف البسيطة، عبر عقود واضحة المعالم مع شركات وطنية، يقودها للأسف سماسرة وافدون، لا خلق لهم ولا دين، ففضلاً عن عدم التزامهم بدفع رواتبهم، فهم يبتزونهم بشكل دائم لأجل البقاء، مما يضطرهم للعمل بأمور أخرى للحصول على المال، كغسيل سيارات الموظفين وأهل الحي، وتخليص المعاملات.. وغير ذلك.

وعادة ينتهي العقد بعد سنتين، فإذا تم تجديد العقد لنفس الشركة، فالسمسار يفاوض العمالة للاستمرار حتى لا يدفع قيمة تذكرة العودة حسب العقد، فيضطر البعض للموافقة للحفاظ على الوظيفة.

وإذا انتهى العقد تفاوض الشركة الجديدة الشركة القديمة لنقل إقامة العمالة إليها، حتى توفر جهود وأموال استقدام عمالة جديدة، ومنها توفير التذاكر على الطرفين، حتى يصلوا إلى اتفاق، يكون العامل هو الضحية، لدرجة أن أحد العمال بقي 8 سنوات لم يسافر لبلده.

تطور الأمر في السنوات التالية، فبعد سنتين من العمل والتدريب، ويكون العامل فهم ما يريده الموظفون أو المصلون، تبتز الشركة العامل حتى تجدد له العمل بدفع مبلغ وصل مؤخراً إلى 750 ديناراً، أو نقله لمكان آخر، فيضطر الموظفون والمصلون لجمع المبلغ للحفاظ عليه، كأن من أمامهم عالم فيزياء وليس عاملاً.

أما عند نقل الإقامة لشركة أخرى حال تغير العقد، فعليه أن يدفع لكلا الشركتين، ويصل ما يدفعه الناس للشركتين قرابة 1500 دينار!

وكثيراً ما خدع السمسار تلك العمالة، فيأخذ الأموال، ولا ينقل الإقامة!

أذكر ذلك لأنه بدأت هذه الأيام هذه الحملة، وبدأت العمالة بالترويج لابتزاز السماسرة، التي يخضع لها بعض الأئمة والمصلون والموظفون بحجة أننا تعودنا عليهم، ولا نريد أن نتعب بتعليم آخرين جدد، وهذا يدعونا كمواطنين لعدم الاستسلام لهؤلاء السماسرة الابتزازيين، ويدعو جهات الاختصاص في جميع الوزارات لزيادة ضبط أوضاع العمالة وحمايتهم من الابتزاز.

وبالمقابل، ضرورة ضبط دفع رواتب العمالة التي غالباً ما تتأخر، تصل أحياناً إلى 6 أشهر، مما يضطر العمالة للشحاذة من المصلين والموظفين، ومن ثم العمل خارج النظام، والتعامل بالرشى.. أو الإكراميات!

لا أعلم ما الجهة المعنية بكل هذه التفاصيل، لكني متأكد أن جميع الوزارات والهيئات لها يد في العقود وتفاصيلها، فهل من مبادر؟!

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 04 يونيو 2019 17:40

هل جربت العيد وأنت مداوم؟

صليت العيد في مدينة مالمو جنوب السويد مع الوقف الاسكندنافي، وقد أخروا الصلاة حتى الساعة التاسعة صباحا لتستوعب أكثر من 5000 مصل في حديقة كبرى، ولاحظت الأطفال معهم حقائب، فعرفت أنهم سيذهبون إلى المدرسة بعد الصلاة مباشرة، ويذهب أولياء أمورهم إلى أعمالهم. فقلت: ذهبت فرحة العيد.

قلت ذلك لأننا تعودنا أن يكون أيام العيد عطلة، يفرح خلالها الجميع وبالأخص الأبناء، الذين يذهبون إلى الألعاب والمسارح (أكثر من 10 مسرحيات أطفال) والمطاعم، إلا أن عيدهم في دول الغرب يكون مساء فقط بعد عودتهم من الدوام.

يذكر لي د.أيوب الأيوب أنه خلال فترة دراسته الدكتوراه في بريطانيا، كانوا يجهزون البيت مع أم خالد منذ الليل والأطفال نيام، فيعلقون البالونات والزينة، ويجهزون الكعك والعصائر والحلويات، حتى يشعروهم بجو العيد، وبعد أن يعودوا من صلاة العيد يعملوا لهم أجواء الفرح من الأهازيج الشعبية، ويستضيفون عددا من الأصدقاء مع أبنائهم ليصنعوا جو الفرح بالعيد حتى المساء.

لا ينبغي أن نحصر فرحة العيد بالصلاة فقط، وهي الأهم، وهي الأكثر حضورا في العالم، وهي فرحة كل المسلمين، وهي فرحة لا توصف، فهي فرحة الإفطار بعد الصيام، وهي فرحة لقاء الله عز وجل بعد أداء عبادة عظيمة وركن رئيس، رغم طول النهار في بعض الدول، وحرارتها في دول أخرى، إنما يجب أن نحرص على امتداد الفرحة لليوم كله، ففي بعض الدول تمتد الاستقبالات والتهاني إلى قبيل منتصف الليل مع وليمة العشاء.

نعم.. على أولياء الأمور والكبار والمسؤولين صناعة الفرح لدى الآخرين، فعلى سبيل المثال ما تقوم به الإذاعة والتلفزيون من عرض برامج العيد هي وسيلة لبث الفرح بين الناس، وكذا البرامج الاجتماعية والتهاني في الجمعيات والديوانيات وبعض المؤسسات.

والآن تخيل عزيزي القارئ في دول المسلمين.. ماذا لو كان العيد أيام عمل؟ تصلي العيد كما في أوروبا، ثم تذهب إلى العمل؟!

أقول ذلك لنستشعر أولا هذه النعمة التي نحن بها، نعمة الإسلام، والعيش في بلاد الإسلام، والأمن والأمان، والصحة والعافية، والقدرة على صلاة العيد، في حين أن هناك من فقدوا بلدهم وأمنهم.

وثانيا لتقدير الدور الكبير الذي يقدمه من يعمل خلال العيد في بلادنا، مثل الأطباء والممرضين والفنيين في المستشفيات والمراكز الطبية ورجال الداخلية والجيش والحرس والإعلام والإطفاء والمنافذ.. وغيرها من الأماكن الحيوية، فنحن ننام وهم يسهرون، ونحن نفرح وهم يخدمون، فلهم كل الشكر والتقدير.

وثالثا المرضى في المستشفيات يستحقون من يفرحهم بالعيد، مهما كان الحال، بتجميل الأجنحة والغرف، وتوفير الحلويات، وزيارة الأحباب، وبرامج ترويحية للأطفال وكبار السن.

يذكر لي صديق أن الطبيب قرر بتر قدم زوجته بشكل عاجل، وصادف موعد العملية صبيحة يوم العيد، فلنا أن نتخيل نفسياتهم.. الزوج والزوجة ووالديها وأبنائها! وبالفعل.. عايدوا بعض الساعة السادسة صباحا، وذهبت في سبات عميق، ثم عايدوها مرة أخرى الساعة السادسة مساء، لتخفيف مشاعر فقد القدم. فاستشعروا النعم التي نحن بها.

وتذكروا نعمة الأرحام، وألينوا لهم الكلام، وأجلوا الصيام.. صيام ست من شوال إلى ما بعد العيد، فهي أيام فرح ولعب وأكل، واجعلوها أيام الاثنين والخميس لتسهيلها، ووزعوا العيادي، وانشروا الابتسامة، وتقبل الله طاعتكم، وعساكم من عواده.

____________________

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الإثنين, 03 يونيو 2019 12:26

مَنْ زار جبل طارق؟!

 زار أحد رجال الأعمال المثقفين بعض آثار الأندلس في إسبانيا، فوجد المرشد السياحي يذكر معلومات مغلوطة عن التاريخ الأندلسي، فالتقى أحد كبار المسؤولين في المدينة وبيّن له ذلك، وقال له: إنه مستعد لعقد دورات خاصة للمرشدين السياحيين لتبيان الحقائق التاريخية؛ فوافق على الفور، وعمّم ذلك على الشركات السياحية، وبالفعل عقدت عدة دورات (على نفقته) من مختصين في التاريخ الأندلسي لتصحيح المغالطات التاريخية.

إن العالم من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، يعج بالآثار والمرافق الإسلامية القديمة والحديثة، وقليل منا إذا سافر في سياحة أو عمل زارها؛ لأن أولوياتنا اختلفت.

نحن بحاجة لتغيير ثقافة السفر بأنواعه إلى الاستثمار الأمثل لها، حتى لا تضيع علينا الأوقات بين الأسواق والمطاعم والمقاهي، فسنكتشف في أسفارنا إنجازات رائعة للمسلمين، وغير المسلمين، فعندما تزور متحف «الفايكنغ» تعرف كيف وصلوا إلى قيادة العالم الغربي، وبزيارة متحف «الهولوكوست» تعرف كيف ينشر اليهود قضيتهم، ومتحف «السيارات القديمة» في ميلوز بفرنسا، ومتاحف بريطانيا التاريخية التي تعرفك على التاريخ بأنواعه؛ الثقافي والحربي والفني.

وإذا تساءلنا: كم شخصاً مسلماً زار أندية مانشستر وأرسنال؟! وبالمقابل، كم شخصاً مسلماً زار أول مسجد في بريطانيا (1886م) بمدينة ليفربول؟!

وكم شخصاً مسلماً زار أندية برشلونة وريال مدريد؟ وكم واحداً زار ملقة وكوستا دل سول وفنخرولا؟ وكم شخصاً مسلماً زار قرطبة وغرناطة وإشبيلية وجبل طارق؟! (على فكرة.. جبل طارق يتبع بريطانيا، والملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله بنى مسجداً ضخماً فيه).

تحتل فرنسا المرتبة الأولى في السياحة العالمية، تليها إسبانيا، ثم أمريكا، وفق إحصاءات معهد «ANA" الوطني للإحصاء، فكم واحداً من المثقفين فكّر في زيارة أي مركز إسلامي فيها لإلقاء محاضرة أو دورة تدريبية؟!

لذا.. فنحن بحاجة أولاً لتغيير هذه الثقافة تدريجياً بين الأجيال القادمة، وثانياً لتكن لدينا مبادرات نقدمها للسياح، فقد أعجبني أحد الأصدقاء في لندن بأنه يطرح برنامجاً تربوياً للفتيان من أبناء السياح، وترتيب برامج توعوية لهم، وزيارة مرافق ثقافية، في برامج يومية؛ مما يخفف الضغط على الأسر.

وكذا التعامل مع هيئات السياحة والفنادق في مختلف دول العالم لإرشاد السياح للمرافق الإسلامية القريبة، فأول سؤال يسأله المسلمون: أين القبلة؟ ولعلهم يجدون فيها ما يفيد.

ولا يخفى علينا مقولة الإمام الشافعي التاريخية التأصيلية:

تَغَرَّبْ عَن الأَوْطَانِ في طَلَبِ الْعُلا

وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ

تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسابُ مَعِيشَةٍ

وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِد

فلنستثمر السفر بشكل أفضل؛ سياحة وثقافة وعلماً، ففيها تفريج همّ، وصحبة أكارم، وسنجد أن المتعة تضاعفت مرات ومرات.

وأخيراً.. نشكر العم عبدالعزيز سعود البابطين على مبادرته الرائعة في الأندلس المذكورة في أول المقال، وإقامة عدة مؤتمرات ثقافية في أوروبا للتعريف بشعراء العرب بأسلوب ذكي، ومبادرات ثقافية شبيهة في صقلية وإيطاليا وجزر القمر، حفاظاً على التراث العربي والإسلامي، ودعماً له، وهو للأمانة مشروع دول، كلف ملايين الدنانير، قام بها بمفرده باسم الكويت، جزاه الله خيراً.

الجمعة, 31 مايو 2019 20:19

لا تكن الخيل أفطن منك

ها هي أيام رمضان الجميلة شارفت على الرحيل، اليوم 26 رمضان، والليلة ليلة 27 رمضان، التي اعتاد المسلمون الاهتمام بها، والتركيز عليها، للاجتهاد في العبادة والطاعة، ما لم يجتهدوا في أي ليلة سواها من العام، كيف لا وهم يحتسبونها «ليلة القدر» التي هي خير من ألف شهر، فلا غرابة أن نرى الدواوين أغلقت، والستائر أسدلت، واتجه الناس مبكرين لقيام هذه الليلة المباركة.

قد يقول قائل: لقد قصرت في هذا الشهر، انشغالاً أو تكاسلاً أو غير ذلك، فما تفيدني ليلة أو ليلتين؟! والرد ببساطة.. ما دام في العمر بقية، فليبذل كل منا ما استطاع إلى الله سبيلاً، ففي هذه الأيام الباقية يشتد العمل التعبدي ويتكثف ويزداد، خصوصاً أن الليالي الأخيرة جاءت في عطلة نهاية الأسبوع، فالأمر متاح وميسر للجميع.

قال ابن الجوزي رحمه الله: "إن الخيلَ إذا شارَفَت نهايةَ المِضمار، بَذَلَت قُصارَى جُهدِها لتفوز بالسباق، فلا تَكنِ الخيلُ أفطَنَ منك، فإنما الأعمال بالخواتيم، فإنك إذا لم تُحسِن الاستقبال، لعلّك تُحسِن الوداع".

وقال ابن تيمية رحمه الله: «العِبرةُ بِكمالِ النهاياتِ، لا بنَقصِ البدايات».

ويقول الحسن البصري رحمه الله: «أحْسِنْ فيما بَقَي، يُغْفَرُ لك ما مضى، فاغتَنِم ما بَقي، فإنك لا تدري متى تُدرِكُ رحمةَ الله".

نعم.. لقد بقيت أيام قليلة من العشر الأواخر، التي فيها ليلة خير من ألف شهر، فلنقتصد في راحتنا، ولنقلّل من نومنا، ولنتعب في الطاعة، ولنتزوّد لآخرتنا، فرمضان «أيّاماً معدودات».

وقد اجتهد أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ فقال: «إنَّ الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها»، فلنخرج جميع ما عندنا من طاقة وطاعة وصدقة قبل بزوغ فجر شوال.

ولنحرص على موافقة «ليلة القدر» حتى لا نكون من المحرومين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرَم خيرها إلا محروم».

ونحتاج في ذلك إلى استثمار كل ساعة من النهار في قراءة القرآن، وكل ساعة من الليل في القيام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الصلاة إلى الله عز وجل صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سُدسه»، ونحن ننام كل النهار، ونسهر كل الليل، ونبحث عن مسجد يصلي القيام بساعة واحدة فقط! ولنحسن الدعاء بإخلاص إلى الله عز وجل، لأنفسنا ووالدينا وأهلينا وعيالنا وأرحامنا وبلدنا وحكامنا وعموم المسلمين، وتقبل الله طاعتكم.

*******

قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي، وله حاجة، فأبطأت عليه، فقال: يا عائشة، عليك بجُمَلِ الدعاء وجوامِعِه".

فلما انصرفت قلت: يا رسول الله.. وما جمل الدعاء وجوامعه؟

قال قولي: "اللهم اني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك مما سألك به محمد صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك مما تعوذ منه محمد صلى الله عليه وسلم، وما قضيتَ لي من قضاء فاجعل عاقبته رشداً".

الأربعاء, 29 مايو 2019 14:00

لنراجع ونقيّم فكرة إفطار الصائم

يهتم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بمشروع إفطار الصائم في شهر رمضان المبارك، أملاً بالأجر الكبير لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمراد بتفطيره أن «يشبعه».

ويدخل في إفطار الصائم أجور كثيرة، فجاء في الحديث: «يا أيها الناس.. أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، وإطعام الطعام ينشأ عنه التودد والتحبب إلى المطعمين، فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، وينشأ عنه مجالسة الصالحين، واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعام الإفطار.

وليس الأمر محدداً بالفقراء والمحتاجين فقط، لأنه «في كل كبد رطبة أجر»، ومنها إرسال الطعام للأرحام والجيران والأصدقاء، وهو من التواصل وتبادل الهدايا بينهم، التي نسميها في الكويت «نقصة»، وفي هذا تحقيق للألفة والمحبة بين الناس، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا».

ولهذه الأهمية، أجاز الشرع أن يكون إفطار الصائم صدقة عن الأموات.

ومن الملاحظات المهمة أن الحديث لم يحدد أجر إفطار الصائم فقط في رمضان، وإنما إفطار الصائم طول العام فيه أجر، وإن كانت الأفضلية في رمضان لأن الصيام فيه واجب، ولأن الأجر مضاعف في رمضان، وبالأخص الإنفاق «كان كالريح المرسلة»، ومشهور عندنا بفضل الله اهتمام الكثير من الناس بصيام يومي الإثنين والخميس، والأيام البيض، وست من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء.

كما أن الحديث لم يحصر الأجر بالصائم الفقير أو المسكين، إنما إفطار الصائم على إطلاقه.

وأود الإشارة إلى نقاط مهمة في مشاريع إفطار الصائم التي تقدم كصدقات، داخل وخارج الكويت، آمل أن يتسع لها صدر الجميع:

- هذه فترة يستغلها بعض المطاعم لتقديم ما لديهم من مواد مخزنة، وأحياناً "بايتة"، مقابل جهات تبحث عن أرخص الأسعار، وليس الأجود، ومما يأكلونه في بيوتهم.

- قليل من الجهات من يحرصون على التوزيع العادل، فيغلب عليهم التوزيع العشوائي، فتجد نقصاً في مكان، وزيادة في مكان آخر، لدرجة أن الوجبات ترمى في القمامة بكل برود.

- المشروع ليس تبرئة ذمة، اعمل إفطاراً ووزعه بأي طريقة وبأي شكل، ولا أعلم هل تتابع الجهات المنفذة عملها، أم تعتمد على مطاعم وعمالة مرتزقة؟!

- سمعنا عن إفطار صائم، ولكن يندر وجود «إفطار صائمة»، والعمالة النسائية كثيرة.

- جميل ما يقوم به الشباب بالمشاركة بتوزيع الفطور على العمالة في كل مكان، لكن أن يتكدس 30 شاباً وشابة لتوزيع الفطور على 50 شخصاً، فهذا يدل على عدم التنسيق بين الأعداد.

- الأولى ثم الأولى ثم الأولى تقديم الفطور للمحتاج والفقير، وليس توزيعه على السيارات المارة.

وأخيراً.. أعجبتني طريقة قام بها الأخ ناصر البسام، حيث ذهب إلى مجمع سكني فيه عمالة كبيرة من جنسية واحدة، واتفق معهم على تكليف مجموعة منهم (بأجر) على طبخ الفطور.. عيش ولحم أو دجاج، ويقدم لهم الأكل مباشرة طازجاً، وكان يحضر معهم، ونجح في ذلك، وبأقل الأسعار.

أنا أقدر كل الجهود في هذا المجال، وآمل من الهيئات الخيرية التي تقدم إفطار الصائم مراجعة وتقييم عملها، هل هذه الجهود والأموال والأطعمة تذهب لمستحقيها بالشكل الصحيح؟

وتقبل الله طاعتكم، وعساكم من عواده.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

ارتبطت وزارة الخارجية الكويتية في السنوات الأخيرة بتنسيق رائع مع الهيئات والجمعيات الخيرية الكويتية، الحكومية والأهلية، ومع المراكز والهيئات الإسلامية والإنسانية في مختلف دول العالم، لأجل حماية العمل الخيري في كل مكان، وحفظ أموال المتبرعين.

فقد وضعت وزارة الخارجية ضوابط ولوائح لأي جهة خارجية تطلب دعماً مالياً من أي مؤسسة كويتية، حكومية وأهلية، ومن تتوفر فيه تلك المتطلبات التي ترسل إلكترونياً إلى الوزارة، وبعد أن يتم تزكيتها من السفارة الكويتية هناك (إن وجدت)، يصدر لها اعتماد رسمي، وهو ما يسمى “التزكية”، والتي يتم تعميمها إلكترونياً على المؤسسات الخيرية الكويتية، ومن لا يحصل على هذه التزكية، يمنع تحويل أي مبلغ إليه.

وتم تحديد آلية لتحويل أية مبالغ عبر وزارة الخارجية والبنك المركزي، بحيث تخاطب المؤسسة الكويتية وزارة الخارجية باسم الجهة الراغبة بتحويل المبلغ إليها، مرفقاً معها الشيك أو نسخة الإيداع في حساب الوزارة في البنك المركزي، لتقوم الوزارة بعدها بتحويل المبلغ إلى السفارة الكويتية في تلك البلاد، لتقوم بدورها بإيداعها في حساب المؤسسة هناك، أو دعوة الجهة وتسليمها شيك التبرع.

وتتعامل وزارة الخارجية مع أكثر من 150 دولة، ومع أكثر من 1000 هيئة إنسانية حول العالم، مما استدعى إنشاء قطاع خاص لها، برئاسة وكيل مساعد، وثلة من شباب الكويت المختارين بعناية، فالتعامل مع هذه الأعداد الكبيرة من الهيئات الإنسانية، باختلاف مناشطهم واختصاصاتهم وأفكارهم ولغاتهم وقدراتهم ليس بالأمر الهين، فعليهم تلقي الطلبات الجديدة ومطابقتها، ومراجعة الملفات وفحصها، ومتابعة التحويلات المالية وتدقيقها، يعني عمل إداري ومالي مكثف، إضافة لتلقي الشكاوى ومشاكل التأخير والتحويل.. إلى غير ذلك من عمل روتيني يومي مزعج، حتى وإن كان التعامل إلكترونياً، حيث يعتذر الموظفون عن التعامل المباشر لكثرة الأعداد، وضخامة العمل، إلا أن العمل يبقى ضخم فعلاً.

ولم أجد خلال السنوات الماضية أي شكوى سوء تعامل من وزارة الخارجية من أية جهة خيرية، محلية أو خارجية، فالكل يثني على حسن استقبال معالي نائب وزير الخارجية السفير خالد الجارالله، المعروف بابتسامته الجميلة، والمتفائل دائماً، رغم كثرة انشغالاته الدولية، وحسن تعامل سعادة مساعد وزير الخارجية لشؤون التنمية والتعاون الدولي السفير ناصر الصبيح، المعروف بسعة صدره، وتعاونه بلا حدود مع الهيئات الخيرية، وتفهمهما لدور العمل الإنساني الكويتي في الخارج، وآثاره القيمية والأخلاقية والإنسانية، التي تخلو من أية مصالح عكسية، وكذا جميع العاملين في هذا القطاع الحيوي الذين تتسع صدورهم للاستفسارات والمتابعات، فلهم كل الشكر والتقدير على حسن الأداء، والإخلاص في العمل.

ولعل المشكلة الوحيدة لدى بعض المؤسسات الخيرية المحلية هي تأخير التحويلات، مما يؤخر تنفيذ المشاريع هناك، أو يفوت موعدها؛ مثل تحويل مبلغ إفطار الصائم يصل بعد رمضان، أو تحويل مبلغ كسوة العيد أو الأضاحي يصل بعد العيد.. وهكذا، وتزداد المشكلة في الدول التي لا تتوفر فيها سفارة كويتية، لذا يأملون من الوزارة السماح لهم وللبنوك ومكاتب الصيرفة لإجراء التحويلات اللازمة، علماً بأنها موثقة لدى وزارة الشؤون بشكل تفصيلي.

وقد تنتقل نفس مشكلة التأخير في تسليم تلك التحويلات للهيئات المعنية في الخارج عبر السفارات الكويتية.

وكما هو معروف أن السفارات تختلف في حيويتها ونشاطها وعلاقاتها، فيتأخر بعضها في إرسال التزكيات لوزارة الخارجية، لأسباب مختلفة، قد تتجاوز في مدتها 6 أشهر. وأحيانا يدخل في الوسط اختلاف توجهات البعض وعلاقاته مع الهيئات الإسلامية تحديداً، فينعكس ذلك على تعاملهم معهم، متناسين أنهم يمثلون دولة الكويت لا توجهاتهم الفكرية الخاصة.

وأعتقد أن هاتين المشكلتين؛ تأخير التحويل، وتأخير التزكيات، إنما هي مشكلات فردية، لم يكن النظام العام للوزارة سبباً فيها، لأني كما ذكرت الكل يثني على حسن التعامل، وسير الإجراءات فيها، حتى أن كثيراً من الهيئات الإنسانية يرغبون بزيارة وزارة الخارجية لتقديم الشكر لهم فقط.

وأمام هذا الجهد الكبير الذي تقوم به وزارة الخارجية بشكل عام في دعم العمل الخيري والإنساني، في بلد الإنسانية، أرى أنه قد آن الأوان لإعطاء هذا القطاع (التنمية والتعاون الدولي) الذي تتزايد فيه عدد الجهات التي يتعامل معها داخل وخارج الكويت المزيد من العناية والاهتمام، ويتجلى ذلك في الآتي:

أولاً: مضاعفة عدد الموظفين فيه، لاستيعاب هذه الأعداد الهائلة من المعاملات، وسرعة إنجاز التحويلات والتزكيات. فالموظفين الحاليين رغم قلتهم؛ فإنهم يقومون بجهود كبيرة جداً، مقابل عدد المعاملات والتحويلات والتزكيات الكبير جداً. ولا نريد أن يكون هذا الضغط سبباً لردود أفعال سلبية من بعضهم (ما يعطون وجه للسائل).

ولا أخفي سراً عندما أقول إن بعض الموظفين يرفض الرد على الهاتف، إما كبراً، وإما بسبب الضغط.

ثانياً: إنشاء مركز اتصال (Call Center) لاستقبال الاستفسارات والملاحظات من داخل الكويت وخارجها، فبعض المعاملات تتعطل بسبب معلومة أو فهم خاطئ، كما أن بعض المراكز يرد عليها الرابط الإلكتروني بعدم استكمال البيانات دون تحديدها، فيظل الأمر معلقاً.

ثالثاً: إعطاء من يتعامل مع الهيئات الإنسانية والخيرية والمراكز الإسلامية دورات خاصة في فهم الدور الذي يقوم به، وفن التعامل مع الآخرين، فهو يمثل الكويت ولا يمثل نفسه أو رأيه.

رابعاً: ترتيب زيارة سنوية للعاملين في هذا القطاع إلى دول مختلفة؛ آسيوية وأفريقية وأوربية وغيرها، والاطلاع عن كثب على وضع تلك الهيئات الإنسانية والمراكز الإسلامية من جانب، وسير العمل في السفارات في التزكيات والتحويلات المالية من جانب آخر، حتى يتفهموا كل التفاصيل، ولا يلوموا من يشتكي، فليس من رأى كمن سمع.

ولعل من تلك الزيارات تخرج أفكار جديدة، خصوصاً وأن معظم العاملين من فئة الشباب الذين نرتجي منهم الخير الكثير.

وأود هنا أن أسجل إعجابي بطريقة السفير ناصر الصبيح، ففي كل زيارة أو لقاء عمل شاركت به؛ كان يدعو مجموعة من موظفي القطاع الشباب، ليستفيدوا من الحوار فيكتسبوا خبرات عملية مباشرة، تطبيقاً لقاعدة “قل لي وسوف أنسى، أرني وقد أتذكر، أشركني وسوف أفهم”، ومن أبرز الخبرات التواضع، والرغبة الجادة في التعاون وتسهيل المهمة وحل المشكلة، واحترام الآخرين مهما كان مستواهم.

خامساً: نقل مقر إدارة القطاع إلى خارج الوزارة، مثل المعهد الدبلوماسي، فمن الطبيعي جداً أن يستقبل المسؤولون في القطاع مسؤولي الهيئات الخيرية من الكويت وخارجها، فهناك من لديه استفسارات أو اقتراحات أو اتفاقيات أو غير ذلك، ولعل دخول الوزارة فيه تكلف إداري وأمني، وهذا الخروج يسهل ذلك كله.

كما أن ذلك الانتقال يتيح توسعة مكان الموظفين لعدد أكبر، إضافة لمواقف السيارات لهم وللضيوف، وممكن تتغير الضيافة من شاي وقهوة فقط؛ إلى عصير وكركديه بارد لتخفيض الضغط.

ختاماً.. أشكر كل من يعمل من أجل الكويت، ويحفظ سمعة الكويت، وأكرر شكري مرة أخرى لكل العاملين في قطاع التنمية والتعاون الدولي، وفي السفارات الكويتية في الخارج.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "أحوال الكويت".

الثلاثاء, 21 مايو 2019 10:26

ما علاقة انشقاق القمر بالهند؟!

رأى ملك مليبار (أدنى يسار القارة الهندية) «شيرمان فرمال» انشقاق القمر فانبهر، فاستفسر من الكهنة عن ذلك، فلم يعرفوا، ولكنه بلا شك أمر عظيم، وبعد أيام رأى شيئاً غريباً في المنام، واعتقد بعض الكهان أن رؤياه إشارة عن بعثة نبي.

وبعد فترة التقى مع تجار عرب عابرين في ميناء مسرس - كدنغلور، وذكر لهم حادثة انشقاق القمر، فأخبروه أن ذلك وقع حقيقة في مكة، وهي معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فأثاره الأمر وقرر السفر للتعرف عليه.

ترك الملك ابنه خليفة مكانه، وارتحل إلى الحجاز، والتقى هناك النبي صلى الله عليه وسلم، فرحب به وأكرمه، وشرح له الإسلام بعدما أخبره ما رآه، فأسلم مباشرة هو ومن معه، وسمي بأبي بكر تاج الدين، وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «أهدى ملك الهند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة فيها زنجبيل، فأطعم أصحابه قطعة قطعة، فأطعمني منها قطعة». (رواه الحاكم في مستدركه).

وعندما أراد الملك العودة إلى بلاده، أرسل معه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل مالك بن دينار رضي الله عنه، وأربعة عشر من أصحابه رضي الله عنهم.

وتعرض الملك في طريق العودة لمرض شديد، فتوقفوا في مدينة ظفار لعلاجه، إلا أن المرض قد زاد عليه، فأوصى أهله في مليبار برسالة مكتوبة بدخول الإسلام، ومساعدة مالك بن دينار وأصحابه في نشر دعوة الإسلام في البلاد، ثم توفي يرحمه الله، ودفن هناك، وما زال قبره موجوداً في ظفار، وبني بجانبه مسجد.

وبدأ مالك بن دينار وأصحابه دعوتهم في تلك البلاد، وبنوا مسجداً ليكون أول مسجد بني في الهند، وانتشر الإسلام سريعاً في تلك المدينة لما رأى الناس من حسن هذا الدين والأخلاق الكريمة للدعاة.

ونظراً لما تتمتع به هذه المدينة من جمال طبيعتها وطيب هوائها، وخيرات كثيرة، سماها التجار العرب «خير الله»، التي ينطقها الهنود بأعجميتهم «كيرلا».

وبنيت المساجد في كيرلا، ومن أشهرها مسجد مالك بن دينار بكاسركود، الذي بني بالقرب من قبره.

وانتشر العلم الشرعي فيها، وجاء إليها كثير من العلماء من اليمن، فكان لهم قبول عظيم، فعينوا قضاة ورؤساء، ومضى الناس في مليبار على مذهبهم الشافعي، إذ إن معظم المسلمين في الهند يتبعون المذهب الحنفي.

ونستخرج من هذه الحادثة الآتي:

1- أثر المعجزات متعدٍّ.

2- أول سفير في الإسلام هو الصحابي الجليل مالك بن دينار رضي الله عنه، قبل الصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه.

3- دخل الإسلام الهند بشكل مبكر جداً، بشكل سلمي، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونال الملك شيرمان ورفاقه شرف لقائه وصحبته، وذلك قبل دخول المهلب بن أبي صفرة غازياً من شمالها.

وتحوي الهند حالياً قرابة 200 مليون مسلم، ولولا تقسيم الاستعمار البريطاني لها إلى 5 دول (الهند، وباكستان، وبنجلاديش، وكشمير، ونيبال)، لتجاوز عدد المسلمين في شبه القارة الهندية إلى 600 مليون مسلم، علماً بأنهم كانوا يحكمون الهند طول تلك السنوات، متعايشين مع الهندوس والسيخ والمسيحيين بكل أمان ووئام.

وهكذا انتشر الإسلام بكل سلاسة بين الناس، منتشراً بين القلوب والوجدان، ليحتل المساحة الأكبر على مستوى العالم إيمانياً وبركة، ونسأل الله أن يؤلف القلوب.. وها هم ينتشرون في العالم كله، يعملون بجد واجتهاد، وتصدرت بلادهم الصناعات الذكية والإلكترونية والتقليدية والغذائية والدوائية والذرية والنووية، لتكون الاقتصاد العالمي القادم بعد الصين.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 14 مايو 2019 16:20

القدس ليست ملكاً للفلسطينيين

يزداد أنين الفلسطينيين المرابطين يوماً بعد يوم، من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، من أصناف تضييق الكيان الصهيوني في حده الأدنى، والحصار وهدم البيوت وطرد السكان، واعتقال الشباب والفتيات وتعذيبهم وسجنهم ظلماً وبهتاناً، وقصف المدارس والمستشفيات، وقتل الأطفال والنساء والعجائز، وقائمة الاحتلال الصهيوني لفلسطين طويلة لا تنتهي.

وبالمقابل تزداد عزيمة الفلسطينيين المرابطين للبقاء في هذه الأرض يوماً بعد يوم، رغم الأنين والتنكيل، ورغم تخاذل العديد من القيادات الفلسطينية والعربية، لاستشعارهم أنها أرضهم، وأنهم تحت احتلال "إسرائيلي"، وكما تحررت فلسطين من قبل، فإن تحريرها قادم لا محالة، فذلك وعد رباني.. شئنا أم أبينا، وما استزراع الاحتلال لشجر الغرقد إلا إيماناً بذلك اليوم.

وإن حالت ظروف فلسطينيي المهجر أن يكونوا بعيداً عن أرضهم، إلا أنهم يعيشون الأمل، أمل العودة إلى أرضهم، لذا.. كل واحد محتفظ بذكرى من فلسطين، مفتاح البيت.. تراب الأرض وأحجارها.. صورة البيت والحي الذي كانوا فيه، حتى تظل الأجيال التالية مرتبطة بأرضهم الأم.

فلسطين ليست ملكاً للفلسطينيين، بل هي ملك لأرض الإسلام والمسلمين كما قال السلطان عبدالحميد الثاني يرحمه الله، والقدس ليست حكراً لدين، بل هي مهبط الوحي، وجمع الأنبياء، وأرض المحشر والمنشر، فلا غرابة أن نجد تسابق الأمم للاستيلاء عليها، فهي موجودة في كل العقائد.

ويأتي دور المسلمين في كل مكان لنصرة المرابطين في عموم فلسطين، وبالأخص القدس وغزة، وتتعدد وسائل النصرة ما بين النصرة السياسية والإعلامية والمالية والتواصل الاجتماعي لإظهار الحق لمن غاب عنه، ولاستمرار البقاء على الساحة العالمية تأييداً ونصرة.

وبمقارنة الإنفاق.. فإن إجمالي ما يصل من الخارج لدعم القدس عبر المؤسسات الإنسانية 7 ملايين دولار بالسنة، وما تنفقه "إسرائيل" ضد المقدسيين أمنياً وإعلامياً ومصادرة وهدما... الخ 2.7 مليار دولار، أي ما ينفق لصالح المرابطين يساوي 0.038% مما ينفقه اليهود!!

ومع ذلك تجد المرابطين المقدسيين يواجهون الآلة الصهيونية بأجسادهم ومستقبلهم وصحتهم ورزقهم نيابة عن كل المسلمين، حماية للمسجد الأقصى.

لقد حفر "الإسرائيليون" عشرات الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وأكد علماء التاريخ والجيولوجيا اليهود القائمون على البحث عدم وجود أي أثر للهيكل المزعوم، فحولوا الأنفاق إلى أكثر من 130 قاعة، استخدمت مكاتب ومتاحف ومرافق سياحية، كما أن وجود الأنفاق يؤهل هدم المسجد الأقصى بأي وسائل خارجية.

ومع كل التنازلات العربية، وكل اتفاقيات السلام المزعوم، فإن الكيان الصهيوني لم يلتزم بكل اتفاقاته الأمنية مع السلطة الفلسطينية التي لا سلطة لها إلا على شعبها المكلوم.

وحق لي أن أفخر بالموقف الكويتي أميراً وحكومة وشعباً تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، فسمو الأمير الشيخ صباح الأحمد وقف سداً منيعاً ضد الصهيونية، صادعاً بالحق في المؤتمرات الدولية وأمام رؤساء العالم وفي الأمم المتحدة، وكذا رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم بمواقفه المشرفة، والدعم المتواصل من الجمعيات الخيرية الكويتية في نصرة الشعب الفلسطيني، رغم تضييق الكيان الصهيوني، والحصار الظالم.

لنعمل على دعم المرابطين المقدسيين وتثبيتهم أمام عملية التهويد القسرية للقدس، والسعي لهدم المسجد الأقصى، ولندعم المنكوبين في غزة في هذه الأيام المباركة.

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 07 مايو 2019 10:12

السلطان الذي رُفضت شهادته

استدعى القاضي «شمس الدين فناري» السلطان العثماني «بايزيد» الأول للإدلاء بشهادته، فلما دخل السلطان المحكمة ووقف أمام القاضي، وقد عقد يديه أمامه كأي شاهد عادي، رفع القاضي بصره إلى السلطان، وأخذ يتطلع إليه بنظرات محتدة، وقال له: «إن شهادتك لا يمكن قبولها، ذلك لأنك لا تؤدي صلواتك جماعة».

كانت مفاجأة كبيرة للسلطان وللحضور الذين اندهشوا من هذه الجرأة لدى القاضي، ولعلها أقرب إلى الإهانة أمام الناس، فتسمّر الحاضرون في أماكنهم، ينتظرون رد فعل السلطان، فما كان منه إلا أن استدار وخرج صامتاً من المحكمة بكل هدوء.

وأصدر السلطان بايزيد في اليوم نفسه أمراً ببناء جامع ملاصق لقصره في بورصة، وعندما تم تشييد الجامع، بدأ السلطان يؤدي صلواته في جماعة.

لم يأت هذا القرار من القاضي عشوائياً، وإلا لم استدعاه وهو يعلم أنه لا يحضر صلاة الجماعة في المسجد! إنما هي قضية تربوية من الدرجة الأولى، كما حصل في قصة الخليفة عمر بن عبدالعزيز مع أهل سمرقند.

والآن.. من هو بايزيد الذي التزم قرار القاضي؟!

إنه صاعقة الإسلام، سلطان إقليم الروم، الغازي جلال الدين يلدرم بايزيد خان الأول بن مراد بن أورخان العثماني، ويعرف باسم «بايزيد الأول»، أو يلدرم بايزيد، و«يلدرم» كلمة تركية تعني «البرق» أو «الصاعقة»، وهو لقب أطلقه السلطان مراد الأول على ابنه بايزيد لسرعة تحركه وتنقله برفقة الجند، لذلك كثيرا ما يعرف هذا السلطان في المصادر العربية باسم «بايزيد الصاعقة» أو «بايزيد البرق»، وهو رابع سلاطين آل عثمان.

انتزع بايزيد من البيزنطيين مدينة فيلادلفية، وكانت آخر ممتلكاتهم في آسيا الصغرى، وفتح بلاد البلغار والبوسنة وسلانيك وألبانيا، مما دعا البابا بونيفاس التاسع إلى شن حرب صليبية جديدة ضد العثمانيين، لطرد المسلمين من أوروبا، وشارك في هذه الحملة خمس عشرة دولة أوروبية، من بينها إنجلترا وفرنسا والمجر، إلا أن بايزيد سجل انتصاراً ساحقاً على الجيوش الصليبية، في المعركة التاريخية المشهورة «نيكوبوليس» سنة 1396م وردهم على أعقابهم.

وحاصر بايزيد القسطنطينية مرتين متواليتين، ولكن حصونها المنيعة ثبتت في وجه هجماته العنيفة، فتركها وعاد ليحمي أراضيه عندما علم بقدوم المغول، وعمل على تعزيز موقعه في آسيا الصغرى استعداداً للموقعة الفاصلة بينه وبين تيمورلنك، وهكذا خف الضغط العثماني على البيزنطيين، وتأخر سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين خمسين سنة.

نعم.. صاحب هذه الفتوحات، وهازم الصليبيين، «الصاعقة».. انحاز لرأي القاضي ولم يعترض، بل سارع لبناء مسجد يصلي فيه جماعة، وهكذا يكون النصر.

إن تعليم أبنائنا مثل هذه القصص التاريخية، تقدم لهم موائد تربوية جاهزة، لا نتكلف فيها بإيصال الرسالة والقيمة والفائدة، فهي تخترق قلوبهم وأفئدتهم وعقولهم، وتبث فيهم روح الشجاعة والأنفة والتواضع وحسن الخلق، فلا تحرموهم منها.

وهذه مسؤولية أخرى لوزارة التربية ووزارة الأوقاف ووزارة الإعلام لنشر مثل هذه القيم والمفاهيم الرائعة بأساليب مختلفة.

ومبارك عليكم الشهر.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 يفتخر كل مجتمع بقيمه التي يتميز بها، التي يتمسك بها ويحافظ عليها أطول فترة زمنية ممكنة، التي يتفوق بها على المجتمعات الأخرى، وتتجلى هذه القيم عند الأزمات والمواقف الصعبة، والأزمنة الشديدة.

وتتعرض هذه القيم لمحاولات تشويه وإساءة من جهات مختلفة، وبالأخص وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ونجد بعض الأعمال الدرامية تسيء لقيم المجتمعات المحافظة بالدعوة للتفلّت منها، ومخالفة القوانين، والدعوة الصريحة المباشرة أو غير المباشرة لتجاوزها ومخالفتها.

وأكثر الناس تعرضاً لهذه الإساءات النساء والفتيات.. الفئة الأكثر متابعة للتمثيليات التلفزيونية، وكذا الشباب الذين يتابعون الأفلام السينمائية؛ وبالتالي لا غرابة أن نرى أثر ذلك في سلوكهم اليومي، من تخلٍّ تدريجي عن القيم الإيجابية، واختيار قيم غريبة عن مجتمعه.

كما تتعرض تلك القيم للزوال مع المهاجرين لدول مختلفة القيم، وبالأخص الهجرة من دول المشرق إلى دول المغرب، حيث ينشأ الجيل الثاني المولود هناك على قيم بلد المهجر، وتتأكد لدى الجيل الثالث، فينسلخ من هويته وقيمه؛ وبالتالي لا غرابة أن نرى أثر ذلك في سلوكهم اليومي، من تخلٍّ تدريجي عن القيم الإيجابية، واختيار قيم غريبة عن مجتمعه.

ولا يدعم استمرار هذه القيم الإيجابية سوى التربية والتنشئة الحسنة، التي تحصن الجيل الجديد ممن يحاول الإساءة لها، أو يتأثر بعكسها، وبنظرة كاشفة للجاليات المهاجرة لدول الغرب من مختلف الجنسيات المشرقية، نجد المجموعة المتماسكة التي تحفظ عيالها من الانغماس في الفكر الغربي، وتوفر لهم البديل التربوي الأفضل منذ نعومة أظفاره، يحافظ الأبناء على قيمهم وهويتهم حتى وإن حصلوا على جنسية تلك البلاد، فالهوية والقيم ليست بالجواز والجنسية، إنما في السلوك.

ولعل أبرز الجاليات التي تحافظ على هويتها ولو بعد مرور قرن من الهجرة هم الهنود والصينيون بمختلف دياناتهم، حتى إنك ترى لهم أحياء خاصة بهم، (وأشهرها الحي الصيني)، وتنتشر معابدهم المختلفة، ومطاعمهم وملابسهم الشعبية، ويحرصون على مدارس السبت والأحد التي يغذون فيها أبناءهم تلك القيم بأسلوب محبب، وكذا البنغال والباكستان والأتراك واليمنيون.. وغيرهم.

كما أنهم يرسلون أبناءهم فترات طويلة إلى بلدهم الأم حتى يعرفوا أقرباءهم وأحياءهم، ويتعلموا عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم، ويحفظوا لغتهم بشكلها الصحيح، ويفهموا دينهم، فتترسخ الهوية لديهم، مع الاستفادة من التقدم العلمي والفكري لدى الغرب؛ دون خسران قيمهم.

فالمسؤولية القيمية هي مسؤولية اجتماعية بالدرجة الأولى، تنطلق من الأسرة التي تهتم بأبنائها وترسخ فيهم القيم الإيجابية، حتى لا يعيش الشباب صراعاً نفسياً بين ثبات القيم وانسلاخها من هويته الأصيلة، وتنعكس على سلوكه اليومي بشكل سلبي.

وليس أفضل من الالتزام الديني في الحفاظ على تلك القيم، والارتباط بالمسجد، والصحبة الصالحة، ودعاء الوالدين، والتحصين المستمر، والتثبيت والتوفيق من الله عز وجل.

وقد تميز المسلمون كثيراً بقيمهم الإيجابية التي أشاد بها قادة العالم، حافظوا فيها على هويتهم، وخدموا الأمم على اختلاف هويتهم، في الإغاثات الإنسانية تارة، وفي ضبط النفس لما يُحاك عليهم تارة، حتى أثبتت العديد من الأرقام أنهم الأقل أذى على مستوى العالم، فأقاموا صلاة الاستسقاء في السويد، وأنقذوا الناس من عدة حرائق في بريطانيا، فأثبتوا أنهم مواطنون مخلصون لبلدهم حتى لو كان بلد المهجر.. وهكذا هي قيم المسلم الإيجابية.

الصفحة 1 من 19
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top