ألفاظ النصر والتمكين في القرآن الكريم

11:04 12 ديسمبر 2016
الكاتب :  

 

بحث قرآني قيم عن ألفاظ النصر، وكم نحن بحاجة أن نعيش فقه النصر والتمكين حتى نتعبد الله عز وجل بالانتصار كما نتضرع إليه بالنوازل والبلاء والانكسار! وما أروع الرجوع إلى ألفاظ القرآن ومعانيه.

إن الله تعالى ينصر عباده المؤمنين متى شاء وكيفما شاء، وقد يكون هذا النصر بعد صبر ومصابرة ورباط وثبات ودعاء وصدق وإخلاص، وقد يكون بعد أن مسّتهم البأساء والضراء؛ (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ {214}) (البقرة).

ولهذا الجذر في اللغة دلالات حسية تلقي ظلالها على الاستعمال القرآني، ومن ذلك: نَصر المَطرُ أو الغَيْثُ الأرض: سقاها وغاثها، وَنُصَرَتِ الأرضُ: إذا مُطِرَت، وسُمِّيَ المطر نَصراً، كما سُمِّيَ فَتْحاً.

وللفظ النصر في القرآن الكريم أربعة وجوه؛ منها:

١- النصر بمعنى المنع: (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ {48}) (البقرة).

٢- النصر بمعنى العون: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ {7}) (محمد).

٣- النصر بمعنى الظفر: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {126}) (آل عمران).

٤- النصر بمعنى الانتقام: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ الله لَانتَصَرَ مِنْهُمْ) (محمد:4).

وقد يعبر القرآن عن النصر بالروح: (وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) (المجادلة:22).

وقد يعبر القرآن عن النصر بالفرقان، وأوجه الفرقان في القرآن ثلاثة:

١- النصر: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {53}) (البقرة).

٢- المخرج: (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185).

٣- القرآن: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) (الفرقان:1).

ومن الألفاظ التي اقترنت بالنصر لفظ التأييد: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {26}) (الأنفال).

ومن الألفاظ التي اقترنت بالنصر الثبات: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ) (الأنفال:12).

ومن الألفاظ التي اقترنت بالنصر لفظ الرباط: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) (الكهف:14).

والاطمئنان: (وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {126}) (آل عمران).

والسكينة: (فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (الفتح:26).

فليكن المؤمنون على مستوى تكريم الله لهم بالنصر والفتح والتأييد؛ فيزدادون حباً لله تعالى وعبادة وتقرباً وحمداً وشكراً، ويكونون أشد تواضعاً مع عباد الله تعالى كما تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما دخل مكة مطأطئ الرأس مصلياً صلاة الفتح ثماني ركعات كما هو معلوم في السيرة.

ثم إن المؤمنين يستشعرون كرم الله تعالى ومنته وصدق بشارته وبشارة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «بشِّرْ هذه الأمَّةَ بالنَّصرِ والسَّناءِ والتَّمكينِ، فمَن عمِل منهم عمَلَ الآخرةِ للدُّنيا لم يكُنْ له في الآخرةِ نصيبٌ» (رواه ابن حبان في صحيحه)، «ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغَ اللَّيلُ والنَّهارُ، ولا يتركُ الله بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلَّا أدخلَهُ الله هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ، أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يعزُّ الله به الإسلامَ، وذلًّا يذِلُّ الله به الكفرَ» (رجاله رجال الصحيح).

إن النصر نعمة عظيمة من الله تعالى تُوجه لأوجه الخير التي يحبها الله تعالى؛ (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ولله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ {41}) (الحج).

والمؤمنون يحافظون على نعمة النصر بالعبادة والاستغفار والصدقة والدعاء، وترك الذنوب وسد الخلل وإصلاح العيوب واستشعار أنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، والنصر من الله تعالى وحده ليس بحولهم ولا قوتهم؛ (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ {126}) (آل عمران).

والحمد لله رب العالمين.

المرجع

1- ألفاظ النصر والتمكين في القرآن الكريم - دراسة دلالية، د. عبدالوهاب محمد علي العدواني، وعماد عبد يحيى.

عدد المشاهدات 3457

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top