الضرب في سويداء القلب ليس حلاًّ!

15:50 05 أكتوبر 2016
الكاتب :  

هل تذكرون الوزير البذيء الذي لم يسلم من لسانه أحد، واختاره مبارك ليكون وزيراً للداخلية خلفاً لأحمد رشدي؛ لأن ملفه أسوأ الملفات بين اللواءات؟

لقد كان هذا الوزير صاحب الفلسفة الدموية التي أعلن عنها أمام الناس، وقال: إنه سيضرب في سويداء القلب، وزايد عليه خلفه الذي قال: إنه سيثقب الأجساد، ثم جاء من ينفذ هذه الفلسفة دون أن يتكلم، فقتل ألف شهيد في ثورة يناير العظيمة، عدا من فقدوا أعينهم وأعضاءهم أو تحولوا إلى معاقين وهم بالألوف!

هذه الفلسفة أو السياسة لم تحقق الأمن ولن تحققه!

السبب بسيط للغاية أن الشخص يموت، ولكن الفكرة لا تموت، فقد قُتل أصحاب العقائد والأفكار على مدى التاريخ، ولكن أفكارهم ظلت باقية، مهما كان صوابها أو خطؤها.

هُزم هتلر هزيمة ساحقة أودت بحياته، ولكن النازية في ألمانيا لم تمت، وتنبعث من جديد في ثياب أخرى ومسميات جديدة.

انهزم الصليبيون الهمج في تسع حروب، ولكن الفكر الصليبي الوحشي لم يمت، ويستمر في حرب عاشرة راهنة ويعبر عن نفسه في حروب دموية همجية تستخدم أحدث الآلات والاختراعات، بالإضافة إلى انبعاث الفكر الصليبي صارخاً وصاخباً، من خلال ما يسمى الأحزاب اليمينية في فرنسا وبقية دول أوروبا!

في عالمنا العربي قتلوا الإمام الشهيد حسن البنا وزعماء الإخوان المسلمين ومفكريهم، ولكن أفكارهم لم تمت، وفكر الإخوان ما زال حياً، وكلما ازدادت الضربات الموجهة إلى من يحملونه، ازداد عدد أتباعه وأنصاره.. ظن الناس أن البكباشي قضى عليهم في الخمسينيات والستينيات، وأنه لن تقوم لهم قائمة، ولكن المجتمعات المسلمة في مصر وخارجها صوتت لهم في الانتخابات، فحققوا الأغلبية.

الفكر لا يهزمه إلا فكر

عندما لا يعجبني فكر ما، لا أستطيع القضاء عليه بالعصا الغليظة أو الدبابة أو الطيارة، ولكنني أستطيع أن أهزمه بفكر مضاد يقنع الناس، ويستطيع أن يكون بديلاً، القوة أو الضرب في سويداء القلب لا يمكن أن يكون بديلاً للفكرة أياً كانت.. وللأسف هناك من لا يفقه هذه البدهية البسيطة الساطعة أمام الأعين والعقول، ويصر على تجاهلها بعد تجارب الأيام والقرون!

عندما يتعلق الأمر بالدين أو المعتقد فالصورة أوضح، يحدثنا القرآن الكريم عن أصحاب الأخدود، وكيف آثروا الشهادة على التحول عن عقيدتهم وإيمانهم: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ {1} وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ {2} وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ {3} قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ {4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ {5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ {6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {9}) (البروج).

في القرن العشرين ظن الناس أن الإسلام قد مات في الدول الإسلامية التي احتلها الشيوعيون السوفييت، فقد هدموا المساجد أو حولوها إلى إسطبلات أو كباريهات، واستأصلوا الإسلام من التعليم والحياة، وصادروا المصاحف والكتب الإسلامية، وزرعوا في أمخاخ الأجيال الجديدة أن الإسلام رجعية وتخلف وظلام، وفوجئ العالم أن الإسلام قد عاد إلى الحياة مرة أخرى، مع أن الروس وضعوا على رأس هذه الدول الإسلامية طغاة قساة غلاظاً يكرهون الإسلام والمسلمين، ولم يسمحوا لها بالحرية والديمقراطية!

الضرب في سويداء القلب منهج يعبر عن ضعف وليس عن قوة؛ لأن الضاربين فقدوا القدرة على التعايش وعلى السياسة معاً!

منذ تملكت الانقلاب العسكري الدموي الفاشي في يوليو 2013م شهوة الدم، وأقام المجازر في الحرس والمنصة ورابعة والنهضة وأكتوبر والفتح ورمسيس وناهيا وكرداسة ودلجا والقائد إبراهيم وغيرها، فإنه لم يشبع، وقلت في حينه: إن شهوة الدم شديدة السعار، ولا تتوقف؛ وبالتالي لا تحل مشكلاً، ولا تنتج عملاً طيباً، ولا تحقق أمناً ولا استقراراً، بل تخلف الأحزان والآلام والخراب والعناء الذي لا يتوقف!

من المؤسف أن منهج التصفية خارج القانون يوحي لعشاقه أنه سيحل مشكلة الأمن والرخاء، وهذا وهم بعيد المنال، لقد تمت تصفيات في البيوت والشوارع والمظاهرات، ولكن هذا الإعدام الميداني لم يثمر شيئاً طيباً، فالبلاد على شفا التدهور الاقتصادي والموت السياسي والتراجع على المستويات كافة.

قبل شهور تم اغتيال ثلاثة عشر من لجنة التكافل في جماعة الإخوان بشقة أكتوبر، وقتلهم بدم بارد، وقيل للناس: إنهم كانوا يقاومون السلطات، ويتبادلون معها النار، ولكن الحقيقة كانت مختلفة، فلم يصب أي من القوة المهاجمة ولو بجرح سطحي، كما لم يظهر أثر رصاصة واحدة على الجدران، والمؤكد أن الضرب في سويداء القلب كان هو سيد الموقف!

في أزمة الشاب الإيطالي ريجيني تمت تصفية مجموعة من الناس ينتمون لأسرة واحدة، قيل: إنهم لصوص ومنحرفون، وإنهم هم الذين قتلوا ريجيني، واستولوا على متعلقاته الشخصية، وجاءت الأحداث بعدئذ لتثبت أن المجموعة لا علاقة لها بالشاب الإيطالي القتيل، ولم تقتنع أسرة ريجيني بقتل الأسرة المستباحة، ولم ينته مسلسل ريجيني حتى هذه اللحظة، الإعدام الميداني جريمة كبرى، ويشير إلى ما يسمى شبه دولة أو أشباه دولة؛ أي حكومة لا تعترف بالقانون!

أحدث الحوادث تصفية د. محمد كمال، ود. ياسر شحاتة، بدعوى أنهما يمثلان قيادة الجناح المسلح في جماعة الإخوان! قالت جريدة "اليوم السابع" الانقلابية: إنه تم القبض عليهما، وبعد نحو ساعتين قالت الجريدة نفسها: إنه تمت تصفيتهما، وتتابع الابتهاج والسرور والشماتة الرخيصة في بقية الصحف الانقلابية، وتحدث المحررون عن مكتب الإرشاد الذي صار في خبر كان بعد قتل عدد من أفراده والحكم بالإعدام والمؤبد على الآخرين، وأخذ التشهير الفج منهجاً رخيصاً في الحكم على ضحيتين بين يدي الله: "منع الانقلاب صلاة الجنازة عليهما، وحرم على بقية مساجد أسيوط أن تصلي عليهما صلاة الغائب"! (استعادة ما حدث مع سيد بلال رحمه الله قبل ثورة يناير بأيام).

الضرب في سويداء القلب، أو التصفية خارج القانون، أو الإعدام الميداني، أو اعتقال عشرات الألوف أو المداهمات الليلية، أو تجييش الكذبة والمنافقين والأفاقين في الإعلام الفاشل للتشهير بالمخالفين وتشويههم؛ ليس حلاً لمشكلات أم الدنيا.

الحل يكمن في كلمتين بسيطتين هما: الحرية والعدل!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

عدد المشاهدات 1942

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top